الديرة - الرمادي
في الأنبار كما في سائر العراق، لا يسأل المواطن عن النظريات الكبرى، ولا عن ما يجري في مضيق هرمز، بقدر ما يسأل عن شيء واحد بسيط: أن ينام الطفل بلا اختناق من الحر، وأن يستطيع الطالب أن يواصل دراسته، وألا تتحول البيوت إلى أفران مغلقة كلما انقطعت الكهرباء.
المواطن البسيط لا يتحدث بلغة التحليل السياسي، بل بلغة الحياة اليومية. ولهذا فإن أي قرار يخفف عنه العبء، مهما بدا محدوداً، يستحق أن يُقرأ بعين مختلفة.
لكن الحكمة ليست في الفرح المؤقت وحده.
فالعراقيون اعتادوا أن يستقبلوا القرارات بين تصفيق وسخرية، ثم يعود كل شيء إلى ما كان عليه. أما السؤال الحقيقي فهو: ماذا نفعل نحن بهذه الفرصة الصغيرة؟
حين تخفض الدولة سعر زيت الغاز لأصحاب المولدات الأهلية، فهي لا تمنحهم امتيازاً، بل تضع أمامهم مسؤولية أخلاقية واضحة: أن يكونوا شركاء في خدمة الناس، لا تجار أزمة. وفي المقابل، فإن على الأهالي أيضاً أن يتعاملوا مع هذا القرار بوعي وعدالة، لا بعصبية وفوضى. فالمجتمع الذي يريد أن يعيش أفضل لا يبنيه الصراخ وحده، بل يبنيه التفاهم، والاحترام المتبادل.
وفي الأنبار ثمة ما هو أهم من الكهرباء نفسها: روح الناس.
هذه المحافظة تعرف جيدًا معنى أن يبدأ الإصلاح من التفاصيل الصغيرة. أحياناً تُبنى الثقة بين الدولة والمواطن من أمبير منصف، ومن صاحب مولدة يخاف الله في الناس.
إن حرص إدارة الأنبار على راحة المواطن في ملف الكهرباء هو امتحان حقيقي لوعي الدولة المحلية بما يعيشه الناس. فالمواطن لا يطلب المستحيل، ولا ينتظر المعجزات، لكنه يريد أن يرى أثر القرار في حياته مباشرة: تشغيل منتظم، أمبير عادل، رقابة تمنع الاستغلال، ومتابعة لا تترك الناس وحدهم في مواجهة الحر.