آخر الأخبار


مفارقات عراقية: زواج "الفخفخة" ينتهي بحفلة طلاق!

  • A+
  • A-

 الديرة - الرمادي


يتشابك ملف الأحوال الشخصية في العراق ليصبح مادة دسمة للنقاش المجتمعي والصحفي، وسط تصاعد مرعب في نسب الطلاق وتغير جذري في السلوكيات الاجتماعية المرافقة للزواج والانفصال.

وتشير البيانات الرسمية الصادرة عن مجلس القضاء الأعلى العراقي الى أن أسباب الطلاق تخضع لتقييم قانوني واجتماعي دقيق، يثبت أنها ليست واهية في معظمها بل تضرب عمق الواقع المعيشي والأمني والاجتماعي للبلاد. وتتلخص هذه الأسباب في الأزمات الاقتصادية الخانقة، والبطالة، وعدم القدرة على تأمين السكن المستقل، مما يضع المتزوجين حديثاً تحت ضغط مالي هائل، فضلاً عن التدخلات العائلية الناتجة غالباً عن السكن المشترك في بيت العائلة، وظاهرة الزواج المبكر التي تفتقر للوعي والمسؤولية، ناهيك عن الاستخدام السلبي لوسائل التواصل الاجتماعي والخيانات الإلكترونية التي باتت تحتل مرتبة متقدمة في دعاوى التفريق. والموضوعية هنا تكمن في أن القضاء لا يطلق الأحكام جزافاً؛ فوجود آلاف المعاملات شهرياً يعكس أزمة في الاختيار والوعي المجتمعي قبل الارتباط، وليس مجرد نزوات عابرة.

أما ما تتداوله منصات التواصل الاجتماعي بين الحين والآخر من مقاطع فيديو تظهر شابات يحتفلن بالطلاق عبر قوالب حلوى وعبارات تهكمية، فإن القراءة الميدانية تؤكد أن هذه الحالات موجودة لكنها فردية ومحدودة للغاية، ولا يمكن تصنيفها كظاهرة مجتمعية عامة في العراق. وغالباً ما تلجأ إليها بعض الشابات كنوع من رد الفعل النفسي، أو التعبير عن الخلاص من علاقة تعيسة أو معنّفة، والبعض الآخر يبتغي منها حصد المشاهدات والتريند، في حين أن العرف العراقي السائد لا يزال ينظر إلى الانفصال بمرارة، مما يجعل هذه الاحتفالات منبوذة اجتماعياً ومحاطة بالكثير من الانتقاد والرفض من مختلف الشرائح.

وفي المقابل، تشهد طقوس الزواج في العراق طفرة غير مسبوقة من البهرجة والمغالاة التي أثقلت كاهل الشباب وأدت لعزوف الكثيرين عن الارتباط، حيث فرضت شروط بعض العرائس نقل مناسبة "المشية" أو "المشاية" -وهي عملية طلب يد البنت- من مجالس البيوت أو دواوين العشائر البسيطة، إلى مزارع فخمة وشاليهات وقاعات مؤثثة خصيصاً تتضمن بوفيهات مفتوحة وتنسيقاً مكلفاً للزهور والإضاءة، وهو ما يعتبره خبراء الاجتماع استعراضاً تفاخرياً يخرج المناسبة عن تقاليدها الرصينة. ولم يعد الزواج يقتصر على المهر المقدم والمؤخر، بل بات يشمل حزمة اشتراطات تبدأ من حفلات الخطوبة والحنة والعرس، وصولاً إلى جلسات تصوير سينمائية في أماكن خاصة، وحجز صالونات ومصممي أزياء بأسعار خيالية تلبية لعقدة المقارنة مع ما ينشر على إنستغرام وتيك توك. وهذه المغالاة في المظاهر والشكليات تسهم بشكل مباشر في رفع نسب الطلاق لاحقاً، إذ يدخل الزوجان القفص الذهبي وهما محملان بديون مالية ثقيلة، وسرعان ما يصطدمان بالواقع المعيشي اليومي وتتبخر أحلام المظاهر، لتبدأ الخلافات وتتهيأ الأرضية لقصة انفصال جديدة في أروقة المحاكم.