الديرة - الرمادي
يدخل العراق مجدداً دائرة المتضررين من التصعيد الإقليمي، رغم أنه ليس طرفاً مباشراً في المواجهة، بعدما انعكست التهديدات المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران سريعاً على إمدادات الغاز وتشغيل محطات الكهرباء، وسط ذروة الطلب الصيفي ودرجات حرارة تتجاوز 45 درجة مئوية في عدد من المحافظات.
تهديد أميركي ورد إيراني
بدأت موجة القلق بعد تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترمب باستهداف واسع لمنشآت الطاقة والبنى التحتية الإيرانية، في حال عدم التوصل إلى اتفاق ينهي المواجهة، وهو تهديد ما يزال مشروطاً بتطورات المسار السياسي والعسكري، ولم يتحول إلى قرار نهائي معلن بالتنفيذ.
وردت طهران بالتحذير من استهداف منشآت الطاقة والمياه في دول المنطقة، إذا نفذت واشنطن تهديدها بقصف محطات الطاقة الإيرانية، ما وسع دائرة المخاطر من مواجهة محصورة داخل إيران إلى تهديد محتمل للبنى التحتية الحيوية في المنطقة.
كما هدد الحرس الثوري بوقف صادرات النفط والغاز من الشرق الأوسط، مؤكداً أن تصدير الطاقة من المنطقة سيكون متاحاً للجميع أو لن يكون متاحاً لأحد، في مؤشر إلى إمكانية انتقال التصعيد إلى طرق نقل الطاقة ومنشآتها الإقليمية.
دانة غاز توقف إنتاج كورمور
لم تتأخر التداعيات في الوصول إلى العراق، إذ أعلنت شركة دانة غاز الإماراتية إيقاف منشآت الإنتاج الرئيسية في حقل كورمور بمحافظة السليمانية مؤقتاً، بسبب تهديدات أمنية وصفتها بالموثوقة، مع تصاعد التوترات في المنطقة.
وأكدت الشركة استمرار مراقبة الأوضاع والتنسيق مع الجهات الحكومية في السليمانية وحكومتي إقليم كردستان والعراق، فيما يشير قرار الإغلاق الاحترازي إلى أن مجرد ارتفاع مستوى التهديدات الإقليمية بات كافياً لتعطيل أحد أهم مصادر الغاز المخصص لإنتاج الكهرباء في شمال البلاد.
ويمثل كورمور مصدراً رئيسياً للغاز المستخدم في تشغيل محطات كهرباء إقليم كردستان، كما ترتبط الطاقة المنتجة منه بتجهيز محافظات ومناطق أخرى في شمال العراق.
خسارة محتملة تبلغ 1400 ميغاواط
حذرت وزارة الكهرباء الاتحادية من أن توقف إمدادات الغاز من حقل كورمور قد يؤدي إلى فقدان نحو 1400 ميغاواط من المنظومة، مؤكدة إعداد خطة طوارئ للحد من آثار النقص والمحافظة على استقرار الشبكة.
وتعادل هذه الخسارة أكثر من 6% من إنتاج العراق المسجل بنحو 22 ألف ميغاواط في منتصف حزيران 2026، ما يعني أن الإنتاج قد يتراجع حسابياً إلى قرابة 20.6 ألف ميغاواط، ما لم تُعوض الكمية من مصادر بديلة.
وكانت وزارة الكهرباء تخطط لرفع الإنتاج إلى 30 ألف ميغاواط خلال الصيف، مقابل طلب متوقع يبلغ نحو 55 ألف ميغاواط، ما يكشف وجود عجز كبير حتى قبل خسارة إنتاج كورمور.
تموز يضاعف تأثير الأزمة
تأتي الخسارة المحتملة خلال تموز، أحد أشد أشهر السنة حرارة، حين يرتفع استهلاك أجهزة التبريد وتبلغ الأحمال على الشبكة مستوياتها القصوى، ما يجعل فقدان 1400 ميغاواط أكثر تأثيراً مقارنة بالأشهر المعتدلة.
ولا يمكن تحديد عدد ثابت لساعات القطع التي ستنتج عن توقف كورمور؛ لأن التجهيز يختلف بين المحافظات وفق الحصص المقررة ومستوى الأحمال وكفاءة خطوط النقل وتوافر الوقود البديل.
لكن فقدان هذه الكمية يرجح أن يؤدي إلى تقليص ساعات التجهيز، وزيادة القطع المبرمج والاضطراري، وارتفاع الضغط على خطوط النقل والمحطات، ولا سيما في المحافظات الشمالية القريبة من مصادر الطاقة المرتبطة بالحقل.
سوابق أثبتت خطورة توقف الحقل
تعرض حقل كورمور خلال الفترات الماضية إلى هجمات وأعطال عدة تسببت بتوقف إنتاج الغاز وانخفاض حاد في الكهرباء.
وفي تشرين الثاني 2025، أدى هجوم على الحقل إلى إيقاف الإنتاج وخسارة نحو 3000 ميغاواط، ما تسبب بانقطاعات واسعة للكهرباء في إقليم كردستان ومناطق أخرى.
وأعلنت حكومة الإقليم حينها انهيار إنتاج الكهرباء بنسبة وصلت إلى 80%، واضطرت إلى تطبيق إجراءات طارئة لتوجيه الطاقة المتاحة إلى المستشفيات والمرافق الأساسية.
كما تراجعت ساعات التجهيز في بعض مناطق الإقليم إلى نحو خمس ساعات يومياً، فيما استغرق استعادة الإنتاج والتجهيز بصورة تدريجية عدة أيام بعد استئناف ضخ الغاز.
العراق يدفع الثمن مجدداً
تكشف أزمة كورمور هشاشة قطاع الكهرباء العراقي أمام التطورات الأمنية خارج الحدود، إذ تبدأ الأزمة بتهديد أميركي لإيران ورد إيراني يلوح باستهداف منشآت المنطقة، لكنها تنتهي بإغلاق حقل غاز عراقي وخسارة محتملة في إنتاج الكهرباء.
وفي بلد يعاني أصلاً فجوة واسعة بين الإنتاج والطلب، فإن توقف مصدر يوفر 1400 ميغاواط لا يمثل رقماً فنياً فحسب، بل يعني ساعات تجهيز أقل وضغطاً أكبر على المواطنين خلال تموز اللاهب.
وبذلك يجد العراق نفسه، كالعادة، يدفع ثمن حروب المنطقة وتهديداتها، حتى قبل تحولها إلى مواجهة شاملة، فيما يبقى استقرار كهربائه مرتبطاً بمنشآت طاقة مكشوفة أمام الهجمات والتوترات السياسية والأمنية.