الديرة - الرمادي
في عام 1967، ترك طفل في التاسعة من عمره كتبه المدرسية بعجالة داخل رحلته الصفية في مدرسة العزة الابتدائية بالرمادي، وهرع نحو الباب مدفوعاً بأصوات مآذن الجوامع وهي تكبّر وتدعو الأهالي لحماية مدينتهم من الغرق الشيك. ذلك الطفل كان الدكتور عبد السلام العاني، استاذ الإعلام في كلية الآداب بجامعة بغداد، الذي ما زال يتذكر كيف تساقطت دموعه كالمطر خوفاً على مدينته، وهو يرى "جوقة زلم" من أصحاب محلات سوق الرمادي يركضون نحو السدة، يتقدمهم رجال تركوا أثراً في ذاكرة المدينة مثل "سيد عبود بزونه، وعبود العسافي، وخالد طلك، وحازم رشاد"، ليتلاحموا مع قوات الجيش العراقي التي وصلت حينها لملء الأكياس بالرمل واستخدمها في صد طوفان النهر.
اليوم، وبعد مرور نحو ستة عقود، يعود هذا الحدث الشاخص ليتصدر أحاديث ديوان "الديرة" بالتزامن مع الأنباء الواردة من أعالي النهر؛ إذ تشهد مناطق شرق سوريا والمحافظات الحدودية العراقية ارتفاعاً ملحوظاً في مناسيب مياه الفرات إثر ذوبان الثلوج وهطول الأمطار الغزيرة في تركيا، مما دفع أنقرة إلى إطلاق كميات كبيرة من المياه من سدودها وصلت إلى نحو 1800 متر مكعب في الثانية، متسببة بفيضانات حقيقية وغرق قرى ونزوح عائلات في دير الزور السورية المتاخمة للحدود.
هذا المشهد القادم من الجوار أثار هواجس قديمة لدى أهالي الأنبار، لاسيما مع اتخاذ السلطات المحلية إجراءات استباقية مشددة، شملت إخراج ثلاثة جسور عائمة من الخدمة في قضاء القائم لتسريع مرور المياه المتدفقة، واستنفار فرق الدفاع المدني بزوارق الإنقاذ والجرافات من القائم ورمانة وراوة وصولاً إلى هيت والرمادي، مع توجيه إنذارات للمتجاوزين على حوض النهر.
ولكن، خلافاً لعام 1967 عندما كانت الرمادي تواجه القدر بصدور رجالها وأكياس الرمل، فإن الفارق الحاسم اليوم يكمن في وجود مصدات إستراتيجية وبنية تحتية قادرة على تحويل الخطر إلى فرصة؛ إذ تؤكد الحكومة المحلية بقيادة محافظ الأنبار عمر الدبوس ووزارة الموارد المائية العراقية أن الموقف تحت السيطرة الكاملة، وأن الهندسة العراقية وضعت خطتين محكمتين لاستيعاب هذه الإطلاقات التي بلغت 700 متر مكعب في الثانية داخل الحدود. وتعتمد الخطة الأولى على تحويل الزيادة المائية لتعويض النقص الحاد وخزن المياه في بحيرة سد حديثة، بينما تتوجه الخطة الثانية لإنعاش بحيرة الحبانية التي تمتلك فراغات خزنية هائلة بعد سنوات الجفاف الصعبة.
بين دمعة طفل خائف قبل خمسين عاماً واستنفار الدوائر الفنية اليوم، يثبت الفرات أنه سيبقى النهر الذي يتقلب بين الجفاف والفيضان، تاركاً لأهل الأنبار في كل موجة قصة تلاحم تؤكد أن دجلة والفرات ليسا مجرد مجريين للمياه، بل هما نبض التاريخ الذي يصنعه الصبر وتديره الدولة بحكمة السدود.