الديرة - الرمادي
يكاد لا يطالب مواطن عراقي بحق من حقوقه البدائية، كإصلاح المنظومة الكهربائية، أو توفير مستشفيات تليق بالكرامة الإنسانية، أو حتى وضع خطط مرورية رصينة تنقذ أرواح العشرات من ضحايا حوادث الطرق اليومية، إلا ويجابهه صوت يخرج من هنا أو هناك ليصوّر الأمر وكأنه "هجمة منظمة على المذهب". هذا الأسلوب في إدارة الأزمات بات مكشوفاً، ولم يعد ينطلي على أحد في الشارع الذي يدرك جيداً كيف تُستغل العواطف الدينية أحياناً كغطاء للهروب من المسؤولية وحماية الفشل الإداري.
الحقيقة التي يجمع عليها العقلاء هي أن جميع المذاهب والأديان بنيت أساساً على قيم العدل، وإنصاف المظلوم، وحفظ دماء الناس وراحتهم؛ فلا يوجد مذهب محترم يرتضي لمتبعيه ومحبيه العيش في ظلام مستمر، أو مراجعة مستشفيات تفتقر لأبسط المقومات، أو السير في شوارع متهالكة تحصد الأرواح يومياً بسبب سوء التخطيط. إن الدفاع عن المذهب الحقيقي يتجسد في تقديم نموذج إداري ناجح يخدم الإنسان ويكرمه، وليس في تحويل نقص الخدمات إلى معارك عقائدية وهمية.
فك الارتباط بين الفشل الخدمي وبين الهوية المذهبية هو أولى خطوات الإصلاح، فالتقصير في إعمار الشوارع وتطوير المؤسسات هو مجرد إخفاق وظيفي واضح، والفاشل أو المقصر لا يمثل مذهباً ولا ديناً، بل يمثل كفاءته وقدرته على الإدارة فقط. وحين تدرك السلطات الخدمية أن مطالب الشارع بالكهرباء والصحة هي حقوق مواطنة خالصة لا تقبل التسييس، سينتهي زمن "الفزاعات" وتبدأ عجلة البناء الحقيقي بالدوران.