الديرة - الرمادي
أيام قليلة تفصل الشارع الرياضي العالمي عن ركلة البداية لأكبر نسخة في تاريخ كأس العالم 2026، والتي تتقاسم استضافتها الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. ورغم الهالة الاحتفالية التي ترافق هذا الحدث التاريخي غير المسبوق بمشاركة 48 منتخباً، إلا أن المؤشرات والتقارير القادمة من الداخل الأمريكي بدأت ترسم صورة مغايرة، واضعة الإدارة الأمريكية أمام مأزق تنظيمي وسياسي حقيقي يتجاوز حدود الملاعب ومدرجاتها.
وتكشف قراءة المشهد الحالي في المدن الأمريكية المستضيفة عن أزمة مركبة تجمع بين الصرامة الأمنية، والارتباك الإداري، والضغط السياسي الداخلي، مما حول البطولة من محفل رياضي خالص إلى مرآة تعكس التحديات الراهنة في مركز القرار الدولي.
هواجس التأشيرات وتراجع الحجوزات
أولى الإشارات المقلقة تمثلت في القيود الصارمة المفروضة على تأشيرات الدخول؛ حيث واجهت بعض المنتخبات والوفود الإدارية، من بينها العراق، فضلاً عن آلاف المشجعين من مختلف القارات، تعقيدات واضحة وبطئاً في استحصال سمات الدخول. هذا التشديد الأمني دفع قطاعات واسعة من الجماهير الدولية إلى التراجع عن فكرة السفر خوفاً من الإجراءات المعقدة في المطارات ونقاط الحدود، وهو ما انعكس بشكل مباشر على نسب حجوزات الفنادق في مدن رئيسية مستضيفة، والتي جاءت حتى الآن دون التوقعات والخطط الاقتصادية الطموحة التي رسمتها اللجنة المنظمة للبطولة.
ولم يتوقف الأمر عند الجانب التنظيمي، بل دخلت المنظمات الحقوقية على خط الأزمة، مصدرة تحذيرات وتوصيات للزوار بضرورة فهم القوانين المحلية والتعامل الحذر مع إجراءات التفتيش الصارمة المتوقعة في محيط الملاعب وفي وسائل النقل العامة بين الولايات.
مفاجأة الداخل
المفاجأة الأبرز والأكثر إثارة للجدل لم تأتِ من الخارج أو من لوائح المنتخبات، بل فجرها استطلاع رأي حديث للشارع الأمريكي؛ إذ كشفت النتائج أن نحو 65% من المواطنين الأمريكيين يرفضون بشكل قاطع وجود أو تدخل "قوات إدارة الهجرة والجمارك" داخل الملاعب ومحيطها المباشر خلال فترة البطولة.
هذه النسبة المرتفعة تحمل رسالة سياسية واضحة ومباشرة: الرأي العام الأمريكي نفسه لا يثق في الطريقة التي تدير بها الأجهزة الأمنية هذا الحدث، ويرفض تحويل لحظة احتفالية عالمية يفترض أن تجمع الشعوب إلى ثكنات عسكرية ونقاط تفتيش للملاحقة القانونية للمهاجرين أو الزوار.
وفي كواليس العاصمة واشنطن، يدور حالياً جدل حاد وغير مسبوق داخل أروقة الكونغرس بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري حول ملفي الأمن والهجرة بالتزامن مع البطولة. ووصل الخلاف إلى حد التلويح بفرض قيود على رحلات الطيران المتوجهة إلى مدن رئيسية مستضيفة بذريعة الثغرات الأمنية، وسط تضارب واضح في تصريحات المسؤولين حول حدود صلاحيات الأجهزة الأمنية الفيدرالية والمحلية داخل الاستادات.
هذا الانقسام الداخلي توازى مع حراك احتجاجي لجمعيات مدنية أمريكية ترفض "عسكرة الرياضة"، وتطالب بإبقاء الملاعب مساحات آمنة وحرة للجميع دون ترهيب أو تدقيق هويات تعسفي.
ويرى مراقبون، أن كل ما يحدث خلف الكواليس يثبت أن كأس العالم الحالي لم يعد مجرد منافسة لتحديد بطل العالم في كرة القدم، بل تحول إلى اختبار حقيقي وعلني لقدرة الولايات المتحدة على إدارة العالم والتواصل مع ملايين الزوار في لحظة سياسية دولية شديدة الحساسية.
وفي ظل بيئة مشحونة بالقرارات المتضاربة والارتباك السياسي الداخلي، فإن العالم لن يراقب فقط مهارات اللاعبين فوق العشب الأخضر، بل سيرصد بدقة كيف تدير واشنطن هذه الحشود البشرية؛ وأي خلل تنظيمي أو هفوة أمنية في هذه البطولة لن تُقرأ كحدث عابر، بل كإشارة إضافية يفسرها المراقبون بوجود تحول وتراجع أعمق في كفاءة مركز القرار الأمريكي.