الديرة - الرمادي
تحولت شوارع بغداد ومنصات التواصل الاجتماعي في الاونة الأخيرة إلى مساحات دعائية ضخمة لأساتذة السادس الإعدادي والمعاهد الأهلية، في مشهد بات يثير تساؤلات واسعة حول طبيعة العملية التعليمية وحدود الترويج التجاري داخل قطاع يفترض أن يكون تربوياً بالدرجة الأولى.
ففي مختلف مناطق العاصمة تنتشر اللوحات الإعلانية التي تحمل صور أساتذة المواد الأساسية، فيما تتسابق المعاهد على إنتاج إعلانات تلفزيونية ومحتوى ترويجي عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مستهدفة آلاف الطلبة الباحثين عن فرص النجاح والتفوق في مرحلة تعد الأكثر حساسية في المسار الدراسي.
ويرى مراقبون أن هذه الظاهرة تعكس حجم الاعتماد المتزايد على التعليم الخصوصي والدروس الخارجية، مقابل تراجع ثقة شريحة من الطلبة وأولياء الأمور بقدرة المدرسة على تلبية متطلبات الامتحانات الوزارية، الأمر الذي فتح الباب أمام منافسة تجارية واسعة بين الأساتذة والمؤسسات التعليمية الخاصة.
يشير مختصون في الشأن التربوي إلى أن الإعلانات المكثفة خلقت ما يشبه “نجومية تعليمية” لبعض المدرسين، حيث أصبحت شهرة الأستاذ وقدرته على التسويق لنفسه عاملاً مؤثراً في استقطاب الطلبة، إلى جانب كفاءته العلمية، ما يثير مخاوف من تحول التعليم إلى سوق تجاري يخضع لقوانين العرض والطلب أكثر من خضوعه للمعايير التربوية.
في المقابل، يؤكد أصحاب المعاهد أن الإعلان حق مشروع في ظل وجود مؤسسات تعليمية مرخصة تقدم خدماتها ضمن إطار قانوني، وأن المنافسة تسهم في رفع مستوى الخدمة التعليمية وتوفير خيارات متعددة أمام الطلبة.
لكن خبراء يحذرون من غياب الضوابط المنظمة لهذا النوع من الإعلانات، خصوصاً عندما تتضمن وعوداً بنتائج مرتفعة أو نسب نجاح استثنائية، ما قد يدفع بعض العائلات إلى تحمل أعباء مالية إضافية أملاً في ضمان مستقبل أبنائها الدراسي.
ومع تسلم وزير التربية الجديد عبد الكريم عبطان مهامه، يبرز هذا الملف كأحد التحديات التي تستدعي مراجعة شاملة، سواء من خلال تنظيم الإعلانات التعليمية، أو تعزيز دور المدارس الحكومية، أو وضع ضوابط واضحة لعمل المعاهد والدروس الخصوصية بما يحافظ على التوازن بين حق المؤسسات في الإعلان وحق الطلبة في تعليم عادل بعيد عن الضغوط التسويقية.
ويبقى السؤال مطروحاً: هل يعكس انتشار صور أساتذة السادس الإعدادي أزمة ثقة بالمدرسة الحكومية، أم أنه نتيجة طبيعية لسوق تعليمية متنامية تحتاج إلى تنظيم ورقابة كبيرة.