الديرة - الرمادي
تتسارع وتيرة التنافس الإقليمي على خطوط النقل والقنوات اللوجستية القارية، مما يضع المشاريع الإستراتيجية في المنطقة تحت مجهر التقييم الاقتصادي الصارم. وفي هذا السياق، قدم الخبير والمحلل الاقتصادي زياد الهاشمي وقفة تقييمية شاملة قارن خلالها بين "المسار التركي السعودي" الناشئ ومشروع "طريق التنمية العراقي"، مبرزاً نقاط الالتقاء والتنافس، ومفككاً طبيعة التحديات الداخلية والخارجية التي تحكم مستقبل هذه الممرات الحيوية.
ويصنف الهاشمي المسار التركي السعودي باعتباره مساراً وسيطاً يهدف بالدرجة الأولى إلى توفير التنوع في خيارات النقل التجاري بين تركيا ودول الخليج العربي، مع فتح فرص حيوية لنقل البضائع من وإلى القارة الأوروبية.
وفي المقابل، ينظر الهاشمي إلى مشروع طريق التنمية العراقي كمسار تكميلي للنقل البحري التقليدي عبر قناة السويس، حيث تكتسب الخطوة العراقية أهمية مضاعفة بالتزامن مع استمرار التوترات الأمنية المحمومة في منطقة البحر الأحمر. ويستهدف الطريق العراقي بشكل مباشر الشحنات القادمة من موانئ قريبة جغرافياً، سواء من منطقة الخليج، أو القارة الهندية، أو دول جنوب شرق آسيا، باتجاه تركيا وشرق أوروبا.
ويتوقع الهاشمي أن تكون كلف النقل عبر كلا المسارين (العراقي والسعودي التركي) مرتفعة نسبياً، مع محدودية واضحة في الطاقات التحميلية إذا ما قورنت بالنقل البحري التقليدي عبر السفن والناقلات العملاقة.
وبناءً على هذه المعطيات الاقتصادية، يرى الهاشمي أن البضائع التي ستستخدم هذين المسارين ستكون محددة بالسلع والمنتجات الحساسة للوقت، وهي المنتجات التي تتطلب وصولاً سريعاً وعاجلاً إلى الأسواق الاستهلاكية حتى مع ارتفاع كلف الشحن واللوجستيات.
وتشير التقديرات إلى أن التدفقات التجارية الأكبر ستنحصر بين تركيا ومنطقة الخليج عبر كلا المشروعين، لكن الهاشمي يوضح تمايزاً في تمركز الأسواق؛ حيث يركز طريق التنمية العراقي بشكل مباشر على الأسواق الخليجية الشاملة، في حين يتجه المسار السعودي التركي نحو التركيز على المنطقة الغربية في المملكة العربية السعودية، إلى جانب تنشيط التبادل التجاري البيني مع الأردن وسوريا.
ويؤكد الهاشمي أن إنشاء المسار السعودي لا يلغي مطلقاً اهتمام أنقرة بطريق التنمية العراقي؛ إذ تمتلك تركيا استراتيجية طويلة الأمد لتحويل أراضيها إلى عقدة نقل قارية كبرى تربط مسارات متعددة، مثل المسار الأوسط الصيني، وطريق التنمية، والمسار السعودي، مما يجعلها مستفيدة من تعدد الخيارات.
ويفجر الهاشمي مفاجأة بتحجيم أثر التنافس بين المسارين، مؤكداً أن التحدي الأكبر والمهدد الحقيقي لطريق التنمية العراقي ليس المسار السعودي، بل الوضع الأمني المعقد لمضيق هرمز، وهي حالة جيوسياسية حرجة لم تكن قائمة بكثافتها الحالية عند الإعلان الأول عن المشروع العراقي.
وينوه الهاشمي إلى أن أي سيناريو لإغلاق مضيق هرمز أو تهديد الملاحة فيه سيتسبب فوراً في ارتفاع قياسي لكلف وزمن النقل وزيادة مستويات المخاطر، وهو ما يؤدي تلقائياً إلى إضعاف القدرة التنافسية للمسار العراقي بشكل خطير.
ويختتم زياد الهاشمي وقفته التقييمية بالإشارة إلى أن مشروع طريق التنمية ليس مجرد مسار عابر للشاحنات أو القطارات، بل هو ممر اقتصادي متكامل من المفترض أن يقدم خدمات لوجستية متطورة، ويسهم في استقطاب سلاسل الإمداد العالمية، وإضافة القيمة التصديرية من خلال التوزيع والمخازن الحديثة.
ويرى الهاشمي أن هذه المتطلبات الأساسية لإنجاح الطريق—والتي تتطلب نظاماً سياسياً وأمنياً مستقراً، وموارد بشرية مدربة، واستثمارات ضخمة وجاهزة—تبدو غائبة أو شبه غائبة في الوقت الراهن. هذا الواقع يربط نجاح المشروع أو فشله بالعوامل الداخلية العراقية والملف الجيوسياسي لمضيق هرمز، بعيداً عن تأثير إطلاق أي مسارات منافسة أخرى في المنطقة.