الديرة - الرمادي
وقفت السلطات الثلاث صفاً واحداً خلف منظومة قضائية متحركة، لتطلق ما بات يُعرف بـ"حملة الفجر"، أوسع عملية ملاحقة للفساد تشهدها البلاد في تاريخها الحديث.
وإذا كانت أوامر القبض التي أصدرتها محكمة تحقيق الكرخ الثانية المختصة بقضايا النزاهة قد طالت 47 مسؤولًا حكومياً ونائباً برلمانياً في بغداد وعدد من المحافظات، فإن الأثر الأعمق يكمن في الرسالة التي حملتها هذه الحملة، أن لا حصانة لمن نهب المال العام، مهما بلغ نفوذه أو علا منصبه.
وقد أكدت هيئة النزاهة أن هذا الإنجاز ما كان ليتحقق لولا تضافر جهود السلطات الثلاث، التشريعية والتنفيذية والقضائية، في منظومة عمل تكاملية غير مسبوقة.
الحلبوسي فاعل لا متفرج
في حملة من هذا الحجم والحساسية، كان الدور البرلماني حلقة محورية لا يمكن تجاوزها، فرئيس مجلس النواب هيبت الحلبوسي، كان طرفاً فاعلاً في المنظومة التي وصفتها هيئة النزاهة بـ"الجهود المشتركة والتكاملية"، فالسلطة التشريعية التي يترأسها تمتلك من الأدوات الرقابية والتشريعية ما يشكل الغطاء القانوني والسياسي لأي حملة مكافحة فساد جادة، ومشاركتها الفعلية في هذا الملف أعطت الحملة مشروعية مضاعفة ومساراً مؤسسياً متكاملاً.
وقد جاء هذا الدور في سياق أوسع يقوده رئيس مجلس الوزراء علي الزيدي، الذي أطلق حملة الفجر وأكد أنها لن تتوقف عند 47 متهماً، مشيراً إلى أن المرحلة القادمة ستطال شخصيات أكبر، وكل من ثبت تورطه في هدر المال العام أو الاستيلاء على أموال العراقيين.
غير أن نجاح هذا التوجه كان مشروطا بانخراط المؤسسة التشريعية، إذ إن أي ملاحقة تطال نواباً داخل القبة البرلمانية تستلزم تنسيقاً دقيقاً مع رئاسة المجلس، وهو ما تحقق فعلاً في هذه المرحلة.
مشهد ميداني صادم
على أرض الواقع، كشفت عمليات تنفيذ أوامر القبض عن حجم النهب الذي طال خزينة الدولة، فقد أكدت مصادر مطلعة ضبط أكثر من 20 مليار دينار عراقي، وخمسة ملايين دولار أمريكي، فضلاً عن سبائك ذهب وساعات ثمينة.
وقد جاءت هذه النتائج، وفق هيئة النزاهة، حصيلة لعمليات متابعة وتدقيق ومراقبة دؤوبة ومستمرة أجرتها الجهات المعنية على مدى فترة غير قصيرة، مما يعني أن الحملة هي خلاصة عمل استخباراتي ورقابي ممنهج تضافرت فيه جهود السلطات الثلاث وهيئة النزاهة.
تفاعل شعبي مع الحملة
لم تمر حملة الفجر مروراً عادياً في الوجدان الشعبي العراقي، فقد خرج مواطنون إلى ساحة التحرير وسط بغداد في تظاهرات داعمة، معتبرين ما يجري خطوة طال انتظارها.
ولم يكتف المواطنون بالتعبير عن تأييدهم، بل شبه كثيرون هذه اللحظة بفرحة تحقيق المنتخب الوطني إنجازاً تاريخياً، في إشارة بالغة الدلالة إلى أن العراقيين وجدوا أخيراً ما يجمعهم على شعور واحد في مواجهة عدو مشترك اسمه الفساد.
وللمرة الأولى منذ سنوات، بدت قضية استرداد المال العام قادرة على أن تعبر فوق الانقسامات السياسية والطائفية والمناطقية، لتعيد إلى الشارع العراقي إحساساً افتقده طويلاً، أن الدولة موجودة، وأن القانون يسري على الجميع.