آخر الأخبار


رفع الحصانة.. قرار رئيس البرلمان الذي أطلق شرارة "صولة الفجر" ضد الفساد

  • A+
  • A-

 الديرة - الرمادي


في واحدة من أوسع حملات مكافحة الفساد التي شهدها العراق منذ عام 2003، برز دور رئيس مجلس النواب هيبت الحلبوسي بوصفه حلقة قانونية وسياسية أساسية في مسار عملية "صولة الفجر"، بعدما شكّل رفع الحصانة عن عدد من النواب المتهمين نقطة التحول التي فتحت الباب أمام تنفيذ أوامر القبض بحق شخصيات متهمة بالتجاوز على المال العام واستغلال موارد الدولة.

ولم تكن العملية إجراءً أمنياً منفصلاً، بل جاءت ضمن مسار قضائي وتشريعي وتنفيذي متكامل، بدأ من إخبارات تلقّتها محكمة جنايات مكافحة الفساد المركزية في تشرين الأول 2025، مروراً بمفاتحة مجلس النواب ورفع الحصانة عن النواب المشمولين بالتحقيق، وصولاً إلى تنفيذ أوامر القبض بالتعاون بين القضاء وهيئة النزاهة وجهات إنفاذ القانون، وبإشراف مباشر من رئيسي مجلس القضاء الأعلى ومجلس الوزراء علي فالح الزيدي.


القضاء: التحقيقات بدأت من ملف عدنان الجميلي


 أوضح قاضي تحقيق محكمة جنايات مكافحة الفساد المركزية ضياء جعفر، أن التحقيقات في قضية المتهم عدنان الجميلي، وكيل وزارة النفط لشؤون التصفية، بدأت في الشهر العاشر من عام 2025، إثر تلقي المحكمة مجموعة من الإخبارات التي تتضمن قيام عدد من المرشحين بصرف مبالغ مالية طائلة لدعم دعايتهم الانتخابية، مستغلين موارد الدولة، وبدعم من شخصيات نافذة في الحكومة السابقة.

وقال القاضي في بيان، إن أهمية ودقة الجريمة دفعت المحكمة إلى مواصلة جهود جمع الأدلة والمعلومات لعدة أشهر، قبل أن تكشف مجريات التحقيق، عقب إلقاء القبض على الجميلي، عن تورط مجموعة من أعضاء مجلس النواب في استغلال موارد الدولة للدعاية الانتخابية، والانتفاع من العقود الحكومية بصورة مباشرة أو بالواسطة، للحصول على عمولات ومنافع شخصية لهم ولغيرهم.

وأضاف أن هذه المعطيات اقتضت إجراء التحقيق مع النواب المتهمين واتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم، الأمر الذي استدعى مفاتحة مجلس النواب رسمياً لرفع الحصانة عنهم، تمهيداً لاستكمال الإجراءات القضائية وتنفيذ أوامر القبض.

رفع الحصانة.. القرار الذي فتح الطريق

بناءً على طلب المحكمة ومفاتحة مجلس النواب، رُفعت الحصانة عن النواب المتهمين من قبل رئيس مجلس النواب العراقي الحالي، استناداً إلى الصلاحيات الممنوحة له بموجب أحكام المادتين 63/ثانياً/ج و7/رابعاً من قانون مجلس النواب العراقي رقم 13 لسنة 2018، والمادة 11/ثانياً/3 من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المعدل، والمادة 20/ثالثاً من النظام الداخلي لمجلس النواب العراقي.

ومثّل هذا الإجراء الركيزة القانونية التي سمحت بالانتقال من مرحلة التحقيقات وجمع الأدلة إلى مرحلة تنفيذ أوامر القبض، إذ وفّر الغطاء الدستوري اللازم للتحرك بحق النواب المشمولين بالتحقيق، بعيداً عن أي عائق نيابي أو حصانة تحول دون مثولهم أمام القضاء.


فور ورود كتب رفع الحصانة.. انطلاق أوامر القبض


وأفادت تقارير، بالشروع في تنفيذ أوامر القبض الصادرة بحق عدد من المتهمين، فور ورود كتب رفع الحصانة، وبالتعاون مع هيئة النزاهة الاتحادية وجهات إنفاذ القانون.

وبحسب التقارير، جرت العملية بإشراف مباشر من رئيس مجلس القضاء الأعلى ورئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي، وأسفرت عن توقيف عدد من المتهمين وضبط أموال ومبرزات جرمية تشير إلى ارتكاب مخالفات قانونية.

وأضافت، أن قسماً من المتهمين لا يزال هارباً، فيما تتواصل التحقيقات على ضوء الأدلة المتوفرة.


هيبت الحلبوسي في مقابلة متلفزة: صولة الفجر الأكبر منذ 2003

في مقابلة متلفزة، أكد رئيس مجلس النواب هيبت الحلبوسي أن رفع الحصانة عن نواب يخضعون للتحقيق لا يعني بالضرورة ثبوت تورطهم بقضايا فساد، لكنه يتيح للقضاء استكمال التحقيقات وفق الأصول القانونية.

وشدد الحلبوسي على أن جميع النواب المتهمين بالفساد سيمثلون أمام القضاء، وأن الإجراءات القانونية ستشمل الجميع، مؤكداً أنه “لا حصانة لفاسد” مهما كانت صفته أو موقعه.

ووصف رئيس البرلمان عملية “صولة الفجر” بأنها الأكبر ضد المتهمين بالفساد منذ عام 2003، مبيناً أن إلقاء القبض على المتهمين تم في توقيت واحد بسبب حساسية العملية، ومن دون وقوع أي صدام بين القوات المنفذة وحمايات النواب المتهمين.

النزاهة: تكامل السلطات قاد إلى تنفيذ أوامر القبض

وفي بيان رسمي، أعلنت هيئة النزاهة الاتحادية مباشرتها إجراءاتها الحازمة بشأن تنفيذ مذكرات القبض القضائية الصادرة بحق عدد من المتهمين بالتجاوز على المال العام.

وأكدت الهيئة أن هذا الإنجاز جاء ثمرة لتضافر الجهود المشتركة والتكاملية بين السلطات الثلاث القضائية والتنفيذية والتشريعية، إلى جانب جهود الهيئة، مبينة أن هذا التنسيق أفضى بشكل مباشر إلى تنفيذ الأوامر القضائية، بعد عمليات متابعة وتدقيق ومراقبة دؤوبة ومستمرة.

وشددت النزاهة على أن جميع إجراءاتها تجري بدقة وفق أحكام القانون وتحت مظلته، مؤكدة أنها تستمد قوتها وعزيمتها من التأييد الشعبي وسلطة القانون، فضلاً عن الدعم والمؤازرة المستمرة من رئيس مجلس القضاء الأعلى ورئيس مجلس الوزراء ورئيس مجلس النواب.

ويمنح هذا البيان بعداً رسمياً لدور السلطة التشريعية في العملية، إذ يضع مجلس النواب ورئيسه ضمن منظومة الدعم والتنسيق التي مهّدت لتنفيذ أوامر القبض، بعد رفع الحصانة عن النواب المشمولين بالتحقيق.

متحدث الحكومة: القبض على 21 متورطاً ضمن العملية

أكد المتحدث باسم الحكومة حيدر العبودي أن الحكومة ماضية في مكافحة الفساد وحماية المال العام، مشيراً إلى أن مذكرات القبض أسفرت عن اعتقال 21 متورطاً ضمن عملية “صولة الفجر”، فيما لا يزال عدد من الأشخاص هاربين وتواصل الأجهزة المختصة البحث عنهم.

وأوضح العبودي أن التحقيقات كشفت شبكة من المتورطين والمتلاعبين بالأموال العامة، مبيناً أن العملية نُفذت بالتنسيق مع مجلس القضاء الأعلى ومجلس النواب، واستندت إلى اعترافات المتهم عدنان الجميلي التي كشفت عن تورط شخصيات سياسية ونيابية.

من جانبه، أكد رئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي، أن الحكومة ستواصل جهودها في مكافحة الفساد واسترداد المال العام، مشدداً على عدم التهاون في المسؤولية المكلف بها لحماية مصالح الشعب العراقي.

المجلس السياسي الوطني: دعم للتحرك الحكومي والقضائي والبرلمان

وأعلن المجلس السياسي الوطني دعمه حملات الاعتقال التي طالت شخصيات ومسؤولين ونواباً بتهم فساد، مؤكداً دعمه لجميع الخطوات الرامية إلى إجراء الإصلاحات المؤسسية وحفظ سيادة البلاد وحصر السلاح.

وذكر المجلس، في بيان، أنه يثمّن الإجراءات الأخيرة التي شهدتها بغداد وعدد من المحافظات، والتي اتخذها رئيس الحكومة علي فالح الزيدي بالتعاون مع السلطتين التشريعية والقضائية لملاحقة المتهمين المتورطين بقضايا الفساد، واسترداد أموال البلد.

وأكد المجلس أن هذه الإجراءات تمثل خطوة متقدمة في حفظ أموال الشعب، وإنفاذ القانون، وتفعيل مبدأ المساءلة، بما يضمن محاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن هدر المال العام أو استغلال المنصب الوظيفي لتحقيق منافع شخصية.


وأشاد المجلس بمستوى التعاون والتنسيق بين رؤساء السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية في متابعة ملفات الفساد ومكافحة هذا الوباء بخطوات فعلية، معتبراً أن هذا التكامل المؤسسي ودعم القوى السياسية يجسدان إرادة وطنية جادة في حماية المال العام، وترسيخ مبادئ النزاهة، واستعادة ثقة المواطنين بالدولة ومؤسساتها.

مواقف سياسية مؤيدة لدور رئيس البرلمان

حظي دور رئيس مجلس النواب في دعم حملة مكافحة الفساد بإشادات سياسية واضحة، أبرزها موقف زعيم التيار الوطني الشيعي مقتدى الصدر، الذي وجّه شكره إلى رئيس البرلمان لمساندته الحكومة الجديدة في حملة الإصلاح ومكافحة الفساد.

وأكد الصدر أن دعم الحملة يمثل موقفاً ضرورياً لتقوية عزيمة الحكومة والقضاء والقوات الأمنية في مواجهة الفاسدين، داعياً إلى وقفة شعبية داعمة للإصلاح، ومشدداً على أن المداهمات الأخيرة أربكت الجهات المتضررة من إجراءات المحاسبة.

مجلس النواب: عملية الفجر بداية لنهاية الشعارات

وأصدر مجلس النواب بياناً أكد فيه أن “عملية الفجر”، التي انطلقت يوم الأحد 28 حزيران 2026، تمثل بداية لنهاية مرحلة الشعارات الإصلاحية، والانتقال إلى مرحلة النتائج الفعلية في مكافحة الفساد.

وأشار المجلس  إلى أن الاستجابة لطلبات السلطة القضائية ورفع الحصانة عن مجموعة من النواب كانت الركيزة التي سمحت بانطلاق العملية، معلناً تشكيل لجنة نيابية خاصة للرقابة والمتابعة، تتولى التنسيق مع الأجهزة المختصة وتزويدها بالمعلومات لضمان استرداد الأموال المنهوبة إلى خزينة الدولة.

وطالب البرلمان الحكومة بفتح تحقيقات موسعة، ضمن سقوف زمنية محددة، في ملفات استراتيجية شهدت هدراً وتضخماً في العقود، من بينها ملف سرقة القرن"، وعقود الكهرباء، وفوضى الاستثمار، وتضخم مشاريع الإسكان، وملفات الصحة والدواء، والنقل والسكك، والأمن والدفاع.

دلالات الدور البرلماني

تُظهر مجريات "صولة الفجر" أن دور رئيس مجلس النواب لم يكن موقفاً سياسياً داعماً فقط، بل كان جزءاً من المسار القانوني الذي أتاح تنفيذ أوامر القبض بحق نواب متهمين، بعدما وفّر رفع الحصانة الغطاء الدستوري اللازم أمام القضاء وجهات إنفاذ القانون.

كما أن تأكيد الحلبوسي أن "لا حصانة لفاسد"، مع التشديد على أن القضاء هو صاحب الكلمة الفصل، منح العملية بعداً مؤسسياً، وساهم في تحصينها من أي محاولات لتحويلها إلى صراع سياسي أو استهداف انتقائي.

من ملف انتخابي إلى مسار قضائي مفتوح

بهذا التسلسل، تحولت "صولة الفجر" من تحقيقات بدأت بإخبارات حول استغلال موارد الدولة في الدعاية الانتخابية، إلى حملة قضائية واسعة ضد متهمين بالفساد، كان رفع الحصانة عن عدد من النواب نقطة الانطلاق الحاسمة فيها.

وبينما تستمر التحقيقات وتلاحق الجهات المختصة المتهمين الهاربين، يظهر دور رئيس مجلس النواب هيبت الحلبوسي بوصفه عاملاً محورياً في تمكين القضاء من أداء دوره، وترسيخ مبدأ أن الحصانة لا تعني الإفلات من المحاسبة، وأن مكافحة الفساد لم تعد شعاراً سياسياً، بل مساراً قانونياً مفتوحاً على ملفات أكبر وشخصيات أوسع.