آخر الأخبار


حين تدفع الأزمات الناس إلى الرحيل سبتة تستعيد ذاكرة العراقيين مع بحر "إيجة" في تركيا

  • A+
  • A-

 الديرة - الرمادي


لم تكن المشاهد القادمة من الحدود المغربية مع مدينة سبتة مجرد موجة عابرة من الهجرة غير النظامية، بل صورة قاسية لشباب وعائلات قرروا مواجهة البحر والأسوار والموت، بعدما شعروا بأن البقاء لم يعد يمنحهم فرصة حقيقية للحياة.

خلال الساعات الأخيرة، تدفقت أعداد كبيرة من المهاجرين من الأراضي المغربية باتجاه سبتة الخاضعة للإدارة الإسبانية، عبر السباحة وتجاوز الحواجز والممرات الساحلية.

وتحدثت تقارير صحفية عن عبور عشرات الآلاف خلال نحو يومين، فيما أعلنت السلطات سقوط ضحايا خلال محاولات الوصول، وسط حالة استنفار أمني وإنساني واسعة.

ورغم عدم وجود سبب واحد يفسر هذه الموجة، فإن البطالة وضيق فرص العمل وارتفاع تكاليف المعيشة وفقدان الأمل بمستقبل أفضل، تقف في مقدمة العوامل التي تدفع الشباب إلى المجازفة.

كما تشير بيانات رسمية إلى أن المغرب أحبط خلال عام 2024 أكثر من 78 ألف محاولة هجرة باتجاه أوروبا، في مؤشر يكشف حجم الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تغذي حلم العبور إلى الضفة الأخرى.

هذه الصور تعيد إلى أذهان العراقيين مأساة عام 2014، عندما أُجبرت ملايين العائلات على مغادرة مدنها وقراها مع اجتياح تنظيم داعش واتساع رقعة الحرب. لم يكن العراقيون يبحثون حينها عن رفاهية أو حياة مترفة، بل كانوا يهربون بأطفالهم من القتل والخوف وانهيار الأمن، تاركين وراءهم البيوت والأعمال والذكريات.

وبحلول نهاية عام 2014، تجاوز عدد النازحين داخل العراق مليوني شخص، قبل أن ترتفع الحصيلة في السنوات اللاحقة إلى أكثر من ثلاثة ملايين نازح. تنقلت عائلات بين أكثر من مدينة، وعاشت أخرى سنوات داخل المخيمات، فيما فقد آلاف العراقيين مصادر رزقهم وتعليمهم واستقرارهم الاجتماعي.

لكن ذاكرة العراقيين لا تتوقف عند النزوح داخل البلاد، بل تمتد إلى طرق الهجرة الطويلة عبر تركيا، حيث بدأت رحلة الغربة بالنسبة إلى آلاف الشبان والعائلات. باع بعضهم ما يملك، واستدان آخرون ثمن الطريق، ثم وجدوا أنفسهم في مدن لا يعرفونها، ينتظرون مهرباً أو موعد عبور قد لا يأتي. عائلات تفرقت بين الحدود، وأطفال ناموا في العراء، وأمهات انتظرن اتصالاً أخيراً من أبناء غادروا نحو البحر ولم يعودوا.

وعلى السواحل التركية، حملت القوارب المتهالكة أحلام العراقيين نحو اليونان وأوروبا، لكن البحر لم يكن طريقاً للنجاة دائماً. ابتلع بعض الرحلات، وحوّل حلم الوصول إلى خبر وفاة، وصورة جواز سفر، وهاتف ظل يرن من العراق بلا جواب، ومن نجا من الغرق، لم ينجُ بالضرورة من الغربة، إذ واجه سنوات من الانتظار واللجوء والبطالة والوحدة والانفصال عن الأهل والوطن.

كانت الهجرة بالنسبة إلى كثيرين انتقالاً من خوف الحرب إلى قسوة المنفى، من بيت ضاع في العراق إلى غرفة ضيقة في بلد غريب، ومن عائلة مجتمعة إلى أفراد موزعين بين تركيا واليونان وألمانيا ودول أخرى، ولم تكن كل رحلة بداية لحياة جديدة، بل كانت أحياناً بداية لفقدان طويل لا ينتهي.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل يمكن أن تتكرر الهجرة العراقية بصورة مختلفة؟

العراق لا يعيش ظروف عام 2014 الأمنية نفسها، إلا أن الخطر هذه المرة قد يأتي من بوابة الاقتصاد، فتأخر الرواتب، وارتفاع الأسعار، وتراجع فرص العمل، وضعف القطاع الخاص، وعدم قدرة كثير من الشباب على تأمين السكن وتأسيس أسرة، كلها عوامل تحول فكرة الهجرة من حلم فردي إلى خيار تفكر فيه عائلات كاملة.

حين ينتظر الموظف راتبه لتسديد الإيجار والديون، ويقضي الخريج سنوات باحثاً عن فرصة عمل، ويشعر الشاب بأن سنوات عمره تمر من دون أفق واضح، تصبح الهجرة بالنسبة إليه محاولة للنجاة، حتى وإن كان الطريق محفوفاً بالاستغلال والغرق والمجهول.

ولا تتوقف آثار الأزمة المادية عند حدود الدخل، بل تمتد إلى عمق الحياة الاجتماعية. فتأخر الزواج، وتفكك بعض الأسر، وتصاعد الخلافات المنزلية، وترك الدراسة، وعمل الأطفال، والضغط النفسي المستمر، كلها نتائج محتملة عندما تفقد العائلة استقرارها المالي.

الأوطان لا تفقد أبناءها في الحروب فقط، بل قد تفقدهم أيضاً حين يعجزون عن رؤية مستقبلهم فيها.

ومشاهد سبتة ينبغي ألا تُقرأ بوصفها أزمة مغربية أو إسبانية فحسب، بل إنذاراً لكل دولة لا تمنح شبابها عملاً وكرامة وأملاً. فالمهاجر لا يبدأ رحلته عند البحر أو الحدود، بل تبدأ هجرته في اللحظة التي يشعر فيها بأن بلده لم يعد قادراً على احتواء أحلامه.

لقد هاجر العراقيون عام 2014 هرباً من الحرب، والخشية اليوم أن يضطر بعضهم إلى الرحيل هرباً من الفقر والبطالة وانعدام الاستقرار. وبين الهجرتين تختلف الأسباب، لكن المأساة واحدة: عائلة تترك بيتها، وشاب يرمي مستقبله في طريق مجهول، ووطن يخسر أبناءه واحداً بعد آخر.