الديرة - الرمادي
تتجه الأنظار نحو منطقة جرف الصخر، شمالي محافظة بابل، باعتبارها العقبة الميدانية والسياسية الأكبر أمام القرارات الحكومية القاضية بحظر السلاح خارج نطاق الدولة وإنهاء المظاهر المسلحة المستقلة. وتكتسب الناحية، الممتدة على مساحة تقارب ستمائة وخمسين كيلومترا مربعا والفاصلة بين بغداد والأنبار والفرات الأوسط، موقعا حيويا تحوّلت بموجبه إلى قاعدة عسكرية ومربع أمني مغلق تسيطر عليه فصائل نافذة، أبرزها كتائب حزب الله.
وتقول مصادر سياسية متابعة للملف إن تمسك الجماعات المسلحة بهذه المنطقة يعود لتداخل أبعاد اقتصادية وأمنية ولوجستية؛ إذ تعتبرها الفصائل كنزا بسبب طابعها الزراعي وسهولة إنشاء حقول تربية الاسماك والدواجن فيها، فضلا عن كونها خندقا دفاعيا متقدما لحماية بغداد والمدن المقدسة، إلى جانب تضمينها مقرات عملياتية ومصانع لتطوير السلاح ومنظومات اتصالات معزولة يمنع اقتراب القوات الأمنية الرسمية منها، ما تسبب في تغييب السلطة الإجرائية الحكومية وتجميد القرارات القضائية الصادرة بشأن تفكيك المعسكرات غير الخاضعة لقيادة الجيش.
وكان رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي صرح مرارا بضرورة فرض سيادة القانون وإعادة أهالي المنطقة، مستدركاً في الوقت ذاته بوجود عوائق أمنية وحقول ألغام عطلت الملف خلال فترة ولايته، بينما تفادى رئيس الوزراء الأسبق عادل عبد المهدي الصدام المباشر مع القوى الميدانية وتركت حكومته المربع المغلق خارج دائرة المراجعة.
ولم تترجم مساعي حكومة مصطفى الكاظمي المعلنة حول حصر السلاح بيد الدولة إلى خطوات ميدانية داخل جرف الصخر خشية الانزلاق نحو مواجهة عسكرية، كما كان يبرر حينها، في حين كانت حكومة محمد شياع السوداني قد ضمنت ملف إعادة النازحين وحل الأزمات الأمنية في برنامجها الوزاري، إلا أن تصادم التفاهمات السياسية مع الهجمات والمواجهات الميدانية حال دون إحداث تحول في إدارة الناحية.
وعلى الجانب الإنساني، كشفت تقارير حقوقية ونيابية أن عدد النازحين الممنوعين من العودة إلى جرف الصخر يتجاوز مائة وخمسين ألف نسمة، يتوزعون على مخيمات عشوائية أبرزها مخيم بزيبز، إضافة إلى أطراف محافظة الأنبار ومناطق شمال بابل وإقليم كردستان. وأكد ممثلون عن النازحين أن العوائل تعيش ظروفا معيشية وصحية قاسية تحت الخيام والبيوت الطينية، وسط انقطاع فرص العمل وغياب التعويضات الحكومية للخدمات والممتلكات المدمرة منذ أكثر من عقد من الزمان.
وقال نواب وسياسيون عن المحافظات المحررة إن استمرار إغلاق جرف الصخر ومنع أهاليها من العودة يشكل نقطة سوداء في مسار تطبيق العدالة وسيادة القانون. وأضافوا أن تفكيك هذه العقدة يتطلب قرارا شجاعاً يستعيد المنطقة لسيطرة المؤسسات العسكرية الرسمية، مشددين على أن أي خطة لنزع السلاح في العراق ستبقى منقوصة ما لم تبدأ من جرف الصخر.