الديرة - الرمادي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أنزل القرآن هدىً ورحمة، وجعله نورًا للقلوب، وضياءً للإنسان والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
المشايخ والعلماء الأجلاء،
المشاركون والمتسابقون،
أهل القرآن وخدّامه،
السادة الحضور، كلٌّ باسمه وعنوانه ومقامه…
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
سعيت إلى اختصار هذه الكلمة
لكن الحدث يستحق أن نمنحه حقه من الحديث
لأنني أمام مناسبةٍ من نوادر المناسبات
وسابقةٍ من سوابق الأفعال التي تستحق أن تُذكر
لا لأنها جمعت الناس فحسب
وإنما لأنها جمعتهم على ما هو أبقى من كل شيء…
على كتاب الله
الحضور الكريم ..
انني لا أقف أمامكم اليوم بصفتي محافظًا للأنبار فقط
وإنما أقف بين أهلي، كواحدٍ من أبناء هذه الأرض
وكخادمٍ لها
هذه المحافظة التي عرفت الحرب
عرفت كذلك السلام
وعرفت الدمار، لكنها عرفت كيف تنهض
وعرفت المحن، لكنها لم تعرف الاستسلام
لقد كسرنا القيد بفضل الله
ونفضنا عن كاهل الأنبار غبار الدمار
وأشرقت شمسها من جديد
واليوم، ونحن نبني الطرق والجسور والمدارس والمستشفيات والمشاريع، علينا أن نبني شيئًا أعظم من كل ذلك:
أن نبني الإنسان.
من الرمادي، من قلب الأنبار، نرسل اليوم رسالة لا تتوقف عند حدود المحافظة.
من حدودها الغربية… إلى الكرمة شرقًا،
ومن ضفاف الفرات… إلى تخوم الصحراء،
هذه أرضٌ لم تكن يومًا هامشًا في تاريخ العراق.
كانت الأنبار طريق القوافل
ومحطة الحضارات
وجسر العراق إلى غربه
وكانت مدنها شاهدةً على قرونٍ من حركة الإنسان والتجارة والعلم والثقافة.
واليوم نريد لها أن تكون شيئًا آخر أيضًا:
منارةً للعلم، وميدانًا لبناء الإنسان، وملاذًا للأمن والاستقرار.
فاطمئنوا على الأنبار…
فهي في حفظ الله ورعايته، ثم في أيدي أهلها الذين عرفوا قيمتها، وحملوا أمانتها.
أيها الكرام…
ليس حفظ القرآن أن تحفظ آياتٍ تتلوها الألسن فحسب؛
إنما أن تتحول الآيات إلى أخلاق، والأخلاق إلى سلوك، والسلوك إلى مجتمع.
فالقرآن لا يصنع حافظًا فقط…
بل يصنع إنسانًا يعرف الحق
ويحترم الناس
ويحفظ الأمانة
ويصدق إذا وعد
ويعدل إذا حكم
ويرحم إذا تمكن.
وهذه هي الرسالة التي نريدها لأجيال الأنبار.
نحن امة
نحن أمة العمل والجد
إذا قلنا فعلنا
وإذا اؤتُمِنّا أدّينا
وإذا وعدنا وفينا
واليوم أرى هذه الرسالة أمامي في وجوهكم.
أرى طفلًا بدأ رحلته مع القرآن في عمرٍ صغير، فأقول:
إذا بدأ القلب صغيرًا مع القرآن… كبر عليه.
وأرى شابًا من طلبة، يحمل في يده كتابه الدراسي، وفي صدره كتاب الله.
فيجمع بين التفوق، والشرف في حفظ القرآن.
وأرى بيننا من فقد نعمة البصر، لكنه لم يفقد نور القرآن.
وأرى امرأةً سخّرت وقتها لخدمة القرآن وأهله، لا تبحث عن ضوءٍ ولا شهرة
وأرى كبيرًا في السن جاء إلى المسابقة، وكأنه يقول لنا جميعًا:
إذا كان العمر لم يمنعني من أن أبدأ، فما الذي يمنعكم أنتم؟
هذه ليست مسابقة فقط…
هذه رسائل حياة.
أقول لأبنائي وبناتي وكل المشاركين في «أجيال القرآن»:
لا تنظروا إلى هذه المسابقة باعتبارها نهاية الطريق.
هذه البداية.
قد تحصلون اليوم على جائزة، ولكن الجائزة الحقيقية ليست ما يُسلَّم لكم على منصة؛
الجائزة الحقيقية أن يبقى القرآن معكم عندما تنزلون من هذه المنصة.
أن يبقى معكم عندما تصبحون أطباء ومهندسين ومعلمين وقضاة وضباطًا ومسؤولين وأساتذة وأمهات وآباء.
الحضور الكريم…
لقد علّمتنا السنوات الصعبة أن المدن لا تنهض بالحجارة وحدها، وأن الأوطان لا تُبنى بالمشاريع وحدها.
الأوطان تُبنى عندما يكون الإنسان صالحًا في نفسه، نافعًا لأهله، أمينًا في عمله، رحيمًا بالضعيف، عادلًا مع الناس.
ولهذا، فإن مسؤوليتنا في الأنبار ليست أن نبني حاضرًا أفضل فقط، بل أن نسلّم أبناءنا مستقبلًا أفضل.
لان الأنبار أمانة.
وأنا أقولها اليوم لا بصفتي مسؤولًا، وإنما بصفتي ابنًا لهذه المحافظة:
وأقول لأهل الأنبار:
قد نخطئ… لكننا لا نخون الأمانة.
قد نتعثر… لكننا لا نتوقف.
قد تكون الطريق طويلة… لكننا سنمضي فيها.
وفي الختام، أحيّي جامع الخلافة الراشدة، وكل من أسهم في تنظيم هذا الحدث المبارك، وكل عالمٍ وشيخٍ ومعلمٍ وأبٍ وأمٍ وقف خلف أحد أبنائنا المشاركين.
وأحيّي المتسابقين جميعًا…
وأقول للفائزين: مباركٌ لكم هذا الشرف.
وأقول لمن لم يحالفه الفوز:
يكفيك شرفًا أنك كنت من أهل القرآن.
أسأل الله أن يجعل القرآن ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وأن يحفظ العراق وأهله، ويحفظ الأنبار وأبناءها، ويبارك في أجيالها، ويجعلهم ذخراً لهذا الوطن.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.