الديرة - الرمادي
لم تعد رسائل التهديد والاستهداف في العراق تقف عند حدود الخلافات السياسية المعتادة، بعدما ارتبطت خلال الأشهر الأخيرة بأسماء في الصف الأول من الدولة والمشهد السياسي، من رئيس مجلس النواب هيبت الحلبوسي ورئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان ورئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي، وصولاً إلى استهداف مكتب رئيس حكومة إقليم كردستان مسرور بارزاني.
وقائع تختلف في تفاصيلها وظروفها والجهات التي تقف خلفها، ولا توجد حتى الآن أدلة معلنة تسمح بجمعها في مسار واحد أو اتهام طرف محدد بالوقوف وراءها، لكنها تثير في مجموعها سؤالاً أكبر: ماذا يعني أن تصبح شخصيات في قمة هرم الدولة أمام تهديدات أو استهدافات في بلد يستعد لمرحلة حساسة عنوانها حصر السلاح وتعزيز سلطة المؤسسات؟
من الكرمة إلى أربيل
في الكرمة بمحافظة الأنبار، سبق أن أثار حادث سقوط طائرة مسيّرة قرب مضيف رئيس مجلس النواب هيبت الحلبوسي تساؤلات بشأن طبيعة الحادث والجهة التي تقف خلفه، لتضاف الواقعة إلى سلسلة أحداث أمنية أعادت ملف حماية كبار المسؤولين إلى الواجهة.
وفي أربيل، انتقلت المسيرات إلى مستوى أكثر خطورة، بعدما استهدف هجوم فجر 17 آب المكتب الخاص لرئيس حكومة إقليم كردستان مسرور بارزاني، إلى جانب مقر إقامة مسؤول أمني بارز في الإقليم، ما دفع الحكومة الاتحادية إلى التحرك والتحقيق في مصادر ومنطلقات الهجوم.
وبين الكرمة وأربيل، برزت أيضاً معلومات عن تهديدات تطال رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان، فضلاً عن تهديدات وإساءات وجهت إلى رئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي، وسط مرحلة تشهد خلافات سياسية وأمنية بشأن ملفات شديدة الحساسية.
التحقيقات لم تقل كلمتها
ورغم خطورة هذه الوقائع، فإن التعامل معها يتطلب الفصل بين المعلومات والاتهامات.
فحتى الآن، لا توجد نتائج تحقيق معلنة تجمع هذه الأحداث أو تثبت وقوف جهة عراقية محددة خلف استهداف أو تهديد هذه الشخصيات، ولا يمكن تحميل حزب أو فصيل أو قوة سياسية مسؤوليتها استناداً إلى التوقيت أو المواقف السياسية وحدها.
وهنا يبرز تساؤل آخر لا يقل أهمية: لماذا تبقى بعض هذه الحوادث والتهديدات بلا إجابات نهائية معلنة للرأي العام رغم تعدد الأجهزة الأمنية والاستخبارية والتحقيقية؟
كشف المنفذين والجهات التي تقف خلف أي تهديد أو استهداف لا يتعلق فقط بحماية مسؤول، بل بإثبات قدرة الدولة على معرفة من يستخدم القوة داخل أراضيها ومحاسبته، وإغلاق الباب أمام الشائعات والاتهامات المتبادلة التي قد تكون بذاتها سبباً لمزيد من التوتر.
هيبت الحلبوسي.. موقف معلن من السلاح
وتزداد دلالة المشهد مع موقف رئيس مجلس النواب هيبت الحلبوسي من قضية السلاح، إذ أعلن بوضوح أن حصر السلاح بيد الدولة “واجب شرعي وقانوني قبل أن يكون مطلباً سياسياً”، في موقف يضع رئيس السلطة التشريعية ضمن الأصوات الداعمة لإنهاء تعدد مصادر القوة خارج المؤسسات الرسمية.
كما شارك الحلبوسي إلى جانب بقية الرئاسات في التأكيد على الالتزام بمبدأ حصر السلاح بيد الدولة، باعتباره أساساً لترسيخ سلطة الدولة وسيادة القانون، مع التشديد على تعزيز قدرات القوات المسلحة لحماية البلاد وأمن المواطنين.
وهذا الموقف لا ينبغي قراءته باعتباره استهدافاً لطرف سياسي أو مسلح بعينه، بقدر ما يمثل جزءاً من نقاش وطني أوسع بشأن شكل الدولة العراقية خلال المرحلة المقبلة: هل تكون هناك مرجعية واحدة للسلاح والقوة أم يبقى تعدد مراكز القوة قائماً.
حصر السلاح.. اختبار هيبة الدولة
يتزامن هذا المشهد مع اقتراب استحقاق 30 أيلول، في ظل تحركات حكومية متسارعة لحصر السلاح بيد الدولة وتنظيم هذا الملف ضمن الأطر القانونية والدستورية.
ورغم حساسية التوقيت، لا تتيح المعطيات المعلنة حتى الآن الربط بين التهديدات والاستهدافات وبين الجهات الرافضة لتسليم السلاح، إذ تبقى مسؤولية تحديد المنفذين ودوافعهم بيد الأجهزة التحقيقية والقضاء.
لكن اتساع دائرة السلاح خارج السيطرة الرسمية يعيد طرح القضية الأهم: قدرة الدولة على احتكار قرار القوة، وحماية مؤسساتها ورموزها، ومنع تحول الخلاف السياسي إلى تهديد أمني يمس استقرار البلاد.
الاقتصاد يحتاج دولة مستقرة
المسألة لا تتوقف عند الأمن والسياسة.
فالعراق الذي يبحث عن الاستثمار وتنويع موارده وتحريك اقتصاده وتوفير فرص العمل يحتاج قبل كل شيء إلى بيئة مستقرة، لأن رأس المال لا يتحرك بثقة في بيئة مفتوحة على احتمالات الصدام والتهديد وتعدد مصادر القرار الأمني.
كما أن المواطن الذي يواجه أعباء اقتصادية وخدمية لا يحتاج إلى أزمة داخلية جديدة تضاف إلى الأزمات الإقليمية المحيطة بالبلاد.
ومن هنا، فإن استقرار الدولة وحصر القوة ضمن مؤسساتها لا يمثلان مطلباً سياسياً فحسب، بل شرطاً لبناء اقتصاد قادر على النمو وجذب الاستثمار وحماية المشاريع والمصالح العامة.
حماية الرؤوس ليست دفاعاً عن الأشخاص
قد يختلف العراقيون مع هيبت الحلبوسي أو الزيدي أو زيدان أو بارزاني، وقد تكون هناك اعتراضات سياسية وشعبية على قراراتهم ومواقفهم، وهذا جزء طبيعي من الحياة السياسية.
لكن شيئاً آخر يبدأ عندما ينتقل الاختلاف من النقد إلى التهديد، أو من السياسة إلى استخدام القوة.
فاستنكار تهديد رئيس مجلس القضاء الأعلى لا يعني تأييد جميع مواقفه، ورفض استهداف رئيس البرلمان لا يعني الانحياز إلى حزبه، وإدانة الإساءة والتهديد لرئيس الحكومة ليست دفاعاً عن أدائه، كما أن إدانة استهداف مكتب رئيس حكومة الإقليم لا تعني تبني مواقفه السياسية.
القضية هنا تتعلق بالدولة نفسها، لأن السماح بأن تصبح مواقعها العليا عرضة للتهديد من دون كشف الفاعلين ومحاسبتهم يضعف المؤسسات قبل أن يضر بالأشخاص.
العراق لا يحتمل أزمة داخلية
وسط أزمات اقتصادية وتحديات إقليمية وأمنية، تبدو الأولوية أمام العراق في تجنب فتح جبهة داخلية جديدة، ولا سيما مع اقتراب استحقاق حصر السلاح.
فالمعالجة التي يحتاجها البلد ليست صداماً بين الدولة وأطراف داخلية، وإنما مساراً قانونياً وسياسياً وأمنياً يضمن انتقال هذا الملف بأقل قدر من التوتر، ويحفظ السلم الأهلي ويمنع انزلاق الخلافات إلى الشارع.
وبين التهديدات المتصاعدة واستحقاق حصر السلاح، يقف العراق أمام اختبار جديد لهيبة مؤسساته، في وقت لا يحتمل فيه البلد صراعاً داخلياً يضاف إلى أزماته الاقتصادية والأمنية والإقليمية.