الديرة - الرمادي
تفتح الزيادة الملحوظة في مناسيب نهر الفرات آفاقا جديدة أمام محافظة الأنبار لتحسين واقعها المائي والزراعي، بعد سنوات من الضغوط التي فرضها الجفاف وتراجع الإيرادات المائية، وسط استعدادات حكومية لإدارة التدفقات الجديدة واستثمارها في تعزيز الخزين الاستراتيجي وتأمين الاحتياجات المستقبلية للمحافظة والعراق عموما.
وتشير المعطيات المعلنة من محافظة الأنبار إلى ارتفاع الخزين المائي في سد حديثة إلى أكثر من ستة مليارات متر مكعب مطلع تشرين الأول الجاري، بعد استيعاب التدفقات القادمة من الأراضي السورية، بالتزامن مع إجراءات لتنظيم الإطلاقات المائية وتوجيه جزء منها نحو بحيرة الحبانية، بما يعزز قدرة المحافظة على الاستفادة من الوفرة الحالية خلال الأشهر المقبلة.
وكانت حكومة الأنبار قد رفعت مستوى استعداداتها للتعامل مع ارتفاع مناسيب الفرات، إذ ترأس المحافظ عمر مشعان الدبوس اجتماعا موسعا للجنة المحلية لإدارة الأزمات والكوارث، وجّه خلاله بتشكيل غرفة عمليات مشتركة تضم الدوائر الخدمية والأجهزة الأمنية والجهات الساندة، لمراقبة المناسيب والإطلاقات المائية وتنسيق الإجراءات الميدانية، ولا سيما في المناطق القريبة من مجرى النهر.
وشملت توجيهات الدبوس تهيئة الآليات والمعدات التخصصية، ومراجعة جاهزية شبكات التصريف، ومتابعة أعمال كري النهر وإزالة التجاوزات من حوضه، فضلا عن صيانة وتدعيم الجسور العائمة في المناطق الغربية، ضمن خطة تهدف إلى ضمان انسيابية المياه وحماية المناطق السكنية والأراضي الزراعية من أي ارتفاعات إضافية.
وتعكس هذه التحركات اهتمام إدارة المحافظة بالجمع بين متطلبات السلامة العامة والاستفادة الاقتصادية من الزيادة المائية، إذ تتيح المتابعة الميدانية والتنسيق مع وزارة الموارد المائية التعامل مع التدفقات الجديدة بصورة منظمة، بدلا من تحولها إلى مصدر ضغط على المنشآت والمناطق المحاذية للنهر.
وفي الجانب المائي، أعلن مدير الموارد المائية في الأنبار جمال عودة أن التصاريف من سد حديثة بلغت نحو 600 متر مكعب في الثانية، مع توجيه ما بين 250 و300 متر مكعب في الثانية باتجاه بحيرة الحبانية، في خطوة تستهدف إنعاش البحيرة وتعزيز خزينها، إلى جانب دعم احتياجات مياه الشرب والقطاع الزراعي.
وتكتسب هذه الإجراءات أهمية إضافية بالنظر إلى الموقع الاستراتيجي للأنبار عند المدخل العراقي لنهر الفرات، إذ يمثل سد حديثة أحد أبرز منشآت الخزن وتنظيم المياه في البلاد، فيما توفر بحيرة الحبانية طاقة خزن إضافية يمكن الاستفادة منها في إدارة الموارد المائية خلال فترات انخفاض الإيرادات.
زراعيا، فإن تحسن المناسيب يمنح المزارعين مؤشرات مشجعة قبل الموسم الشتوي، ولا سيما في المناطق المعتمدة على مياه الفرات وشبكات الري المتفرعة منه. ومن شأن استمرار التدفقات، بالتزامن مع تنظيم الحصص المائية، أن يدعم استقرار الخطط الزراعية ويتيح فرصا أوسع لزراعة الحنطة والشعير والمحاصيل الأخرى، وفق المساحات التي تقرها الجهات المختصة.
ولا تقتصر المكاسب المحتملة على الأنبار وحدها، إذ إن تعزيز الخزين في سد حديثة وتحسين إدارة الإطلاقات باتجاه المحافظات الواقعة على امتداد الفرات يمكن أن ينعكس إيجابا على الأمن المائي والزراعي في مناطق واسعة من العراق، ويخفف جانبا من الضغوط التي شهدتها البلاد خلال مواسم الشح السابقة.
وتحمل زيادة المياه آثارا بيئية واقتصادية أخرى، أبرزها تحسين واقع بحيرة الحبانية والمناطق المحيطة بها، ودعم الأنشطة السياحية والسمكية، فضلا عن توفير ظروف أفضل لاستقرار الإمدادات المائية للمشاريع الخدمية والزراعية.