آخر الأخبار


من المحلية إلى التأثير في القرار الإقليمي كيف قاد الرئيس الحلبوسي مشروعا سياسيا عابرا للحدود؟

  • A+
  • A-

 الديرة - الرمادي


قبل نحو عشر سنوات، كانت الأنبار تخوض واحدة من أصعب مراحل تاريخها، بعدما اجتاح تنظيم داعش مدنها، وتهجرت مئات آلاف العائلات، وتعرضت بنيتها التحتية لدمار واسع. واليوم أصبحت المحافظة قاعدة لحزب تقدم،  أحد أكبر الأحزاب السياسية في العراق، بقيادة الرئيس محمد الحلبوسي، الذي استطاع خلال سنوات قليلة نقل تجربته من الإدارة المحلية إلى المشاركة في صناعة القرار السياسي على مستوى البلاد، والتأثير في القرار الإقليمي.

تبدأ هذه القصة من التحولات التي شهدتها الأنبار بعد عام 2003، عندما تعاقبت على تمثيلها قوى سياسية وشخصيات انزلق معظمها نحو مشاريع عنفية ومتطرفة. لكن تلك المرحلة لم تنتج تنظيما سياسيا واسعا يستطيع تحويل الحضور المحلي إلى قوة انتخابية مؤثرة في عدد من المحافظات العراقية.

وفي عام 2014، دخل الرئيس محمد الحلبوسي مجلس النواب عن محافظة الأنبار. وبعد ثلاث سنوات، تولى منصب المحافظ في مرحلة كانت فيها الأولوية لإعادة إعمار المدن المحررة وإعادة النازحين واستعادة الخدمات والمؤسسات الحكومية.

وفي أيلول 2018، انتخب مجلس النواب الرئيس الحلبوسي رئيسا للبرلمان، ليصبح أصغر رئيس للسلطة التشريعية في تاريخ العراق، وهو في السابعة والثلاثين من عمره. وكان وصوله إلى هذا المنصب انتقالا مهما في الحضور السياسي للأنبار، بعدما أصبح أحد أبنائها على رأس مؤسسة دستورية تشارك بصورة مباشرة في رسم السياسات العامة للدولة وتنظم التشريعات والرقابة على الحكومة.

لكن المحطة الأهم في تجربته جاءت مع تأسيس حزب تقدم في أيلول 2019، عندما انتقل الرئيس الحلبوسي من العمل السياسي المرتبط بالمناصب والتحالفات إلى بناء تنظيم حزبي يحمل مشروعا انتخابيا مستقلا، ويستهدف توسيع المشاركة السياسية خارج حدود الأنبار.

لم يكن اختيار الأنبار قاعدة لانطلاق الحزب بعيدا عن تجربة الرئيس الحلبوسي الشخصية، فقد أمضى سنوات عمله الأولى بين البرلمان والإدارة المحلية، واكتسب معرفة بطبيعة المشكلات التي تواجه المحافظات المحررة، وفي مقدمتها إعادة الإعمار والخدمات والتعويضات وفرص العمل.

ومع انطلاق نشاط تقدم، بدأ الحزب بفتح مكاتب واستقطاب شخصيات سياسية واجتماعية في بغداد ونينوى وصلاح الدين وديالى وكركوك، في محاولة لتوسيع تجربته التنظيمية وتحويلها إلى حضور انتخابي على مستوى البلاد.

وفي عام 2021، جاءت أولى النتائج الكبيرة لهذا التوجه، عندما حقق تقدم 37 مقعدا في مجلس النواب، وتصدر المنافسة في الأنبار، وحصل على تمثيل واسع في بغداد ومحافظات أخرى.

وأظهرت دراسة نشرها مركز البيان للدراسات والتخطيط أن تقدم حصل في انتخابات 2021 على أكثر من 201 ألف صوت في الأنبار، بنسبة بلغت نحو 46 بالمئة، وفاز بعشرة مقاعد من أصل 15، بينما حصل في بغداد على نحو 140 ألف صوت وأحد عشر مقعدا.

كانت تلك النتائج مؤشرا على نجاح الرئيس الحلبوسي في بناء قاعدة انتخابية تتجاوز محافظته، وتحويل حزب حديث التأسيس إلى أحد أكبر التنظيمات السياسية المشاركة في مجلس النواب.

وفي كانون الثاني 2022، انتخب مجلس النواب الرئيس الحلبوسي رئيسا له للمرة الثانية، ليصبح أول سياسي يتولى رئاسة البرلمان لدورتين منذ عام 2003، في محطة عكست حجم حضوره في التفاهمات والتحالفات السياسية التي أعقبت الانتخابات.

وبمرور الوقت، توسع نشاط تقدم ليشمل ملفات الإدارة المحلية والعمل الحكومي، وأصبح عدد من قياداته يتولى مناصب تنفيذية وتشريعية بارزة.

وجاءت انتخابات تشرين الثاني 2025 لتكشف حجم النجاح الذي حققه تقدم، ليكون بين أكبر خمس قوى برلمانية في العراق.

وتكشف هذه الخريطة الانتخابية جانبا مهما من تجربة الرئيس الحلبوسي، إذ أصبحت بغداد أكبر مراكز التمثيل البرلماني لحزبه، متقدمة على الأنبار نفسها، التي انطلقت منها تجربته السياسية، ليثبت أن مشروعه لا يرتبط بمحطة جغرافية واحدة.

لكن المقارنة مع المراحل السابقة من تاريخ الأنبار تكشف عن اختلاف في طبيعة العمل السياسي، بعدما كانت المحافظة تعتمد في تمثيلها على مجموعة من الأحزاب والشخصيات المحلية والتحالفات المتغيرة، بينما أصبح لديها اليوم حزب ينطلق منها ولديه امتدادات واسعة في محافظات أخرى.

وقد انعكس هذا الحضور على موقع الأنبار في التفاهمات السياسية الوطنية، إذ باتت المحافظة تمثل قاعدة انتخابية وتنظيمية لقوة تشارك في مفاوضات تشكيل الحكومات وتوزيع المسؤوليات التشريعية والتنفيذية.

وعلى المستوى المحلي، ارتبطت تجربة تقدم بإدارة محافظة الأنبار خلال السنوات الماضية، وصولا إلى المرحلة الحالية التي يقود فيها المحافظ عمر مشعان الدبوس جهودا لتطوير الخدمات والبنية التحتية واستقطاب الاستثمارات وتعزيز العلاقات الاقتصادية مع دول الجوار.

وشهدت المحافظة خلال السنوات الأخيرة اهتماما متزايدا بمشاريع الطرق والمنافذ الحدودية والمدن الصناعية والاستثمار، وهي ملفات تتطلب تنسيقا مستمرا بين الحكومة المحلية والوزارات الاتحادية والجهات المعنية بالتجارة والنقل.

وفي هذه المرحلة، يواصل الرئيس الحلبوسي قيادة حزب تقدم، فيما يتولى الدبوس إدارة المحافظة، ضمن تجربة تجمع بين العمل السياسي على المستوى الوطني والإدارة التنفيذية المحلية.

ومن الأنبار إلى بغداد ونينوى وكركوك وديالى وصلاح الدين، تكشف نتائج الانتخابات عن مسار سياسي امتد من تجربة الإدارة المحلية إلى بناء حزب يمتلك قاعدة انتخابية واسعة، وأصبح رقما مؤثرا في التوازنات البرلمانية.

وخلال أقل من عقد، انتقل الرئيس محمد الحلبوسي من منصب محافظ الأنبار إلى رئاسة مجلس النواب مرتين، ثم إلى قيادة أحد أكبر الأحزاب السياسية في البلاد، في تجربة جعلت من الأنبار نقطة انطلاق لمشروع سياسي تجاوز حدودها الجغرافية، ومنحت المحافظة حضورا في المعادلة الوطنية يتناسب مع ثقلها السكاني والجغرافي والاقتصادي.