الديرة - متابعة
أصدر مجلس القضاء الأعلى قراءة تحليلية موسّعة لرسالته الأخيرة الموجّهة إلى القوى السياسية، مؤكداً من خلالها تمسكه بمبدأ الفصل بين السلطات وحدود الدور القضائي في مسار صناعة القرار السياسي، وذلك في ظل تعقّد المشهد العراقي وتزايد الضغوط على المؤسسات الدستورية.
وأوضح المجلس في قراءته أن "دعوته المتكررة لاحترام التوقيتات الدستورية الخاصة بتشكيل السلطتين التشريعية والتنفيذية تأتي استناداً إلى مسؤولية الحفاظ على استقرار الدولة وضمان انتظام عمل مؤسساتها"، مبيناً أن "تجاوز تلك المدد أصبح يشكل تهديداً مباشراً لشرعية العملية السياسية، ويفتح المجال أمام تدخلات وضغوط خارجة عن الإطار الدستوري".
وشدد المجلس على أن "الالتزام بهذه التوقيتات يعد التزاماً دستورياً ملزماً وليس شأناً سياسياً قابلاً للتأجيل أو التفاوض".
وفي سياق توضيح أبرز ما ورد في بيانه الأخير عقب جلسته الخامسة عشرة، أكد "مجلس القضاء الأعلى أن الفقرة الختامية حملت موقفاً واضحاً وصريحاً يرفض إدخال المؤسسة القضائية، سواء بصفتها هيئة أو من خلال أفرادها، في أي مشاورات أو تفاهمات تتعلق بتسمية رؤساء السلطتين التشريعية والتنفيذية، ولا سيما منصب رئيس الوزراء".
وأعلن المجلس أنه "لا يدعم أي مرشح ولا يتبنى أي رأي بهذا الخصوص"، معتبراً أن "محاولات بعض القوى السياسية استحضار اسم القضاء في هذا الجدل تمثل تجاوزاً غير مقبول وتسييساً مباشراً لمؤسسة يفترض أن تبقى بمنأى عن الصراعات".
ومن الناحية الدستورية، أكد المجلس أن "هذا الموقف يرسّخ مبدأ الفصل بين السلطات ويعيد تثبيت دور القضاء بوصفه جهة محايدة لا تنحاز لأي طرف سياسي"، مبيناً أن "المؤسسة القضائية تلتزم حصراً بالصلاحيات التي منحها لها الدستور، وأن دورها يتمثل في حماية النظام الديمقراطي وضمان عدم إقحام القضاء في التجاذبات السياسية".
وفيما يخص أبعاد الرسالة، أوضح المجلس أن "مضمون بيانه يحمل أيضاً بعداً دبلوماسياً واضحاً، نظراً لكون المجتمع الدولي يراقب مستوى استقلالية المؤسسات العراقية".
وأشار المجلس إلى أن "تأكيده على عدم التدخل في مسألة اختيار الرئاسات يبعث برسالة اطمئنان بأن الدولة العراقية ما تزال قادرة على حماية توازن السلطات ومنع تسييس المؤسسة القضائية، رغم محاولات بعض الأطراف التأثير على القرار الدستوري".
واختتم مجلس القضاء الأعلى قراءته بالتأكيد على أن "القانون يمثل الحد الفاصل بين العمل المؤسساتي والخلاف السياسي"، مشدداً على أن :بناء الدولة لا يتحقق إلا عبر احترام الحدود الدستورية وتحصين المؤسسات من الصراعات، مشيراً إلى أن استقلال القضاء يشكّل خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه، وأن دور القضاء يبدأ حيث تنتهي الخلافات السياسية".