الديرة - الرمادي
ما زال ملف اختيار رئيس الوزراء الجديد في العراق يكتنفه قدر كبير من الغموض، وسط تضارب المعلومات وتعدد التسريبات، في وقت تشهد فيه الساحة السياسية حراكا مكثفا لم يفض حتى الآن إلى حسم واضح، فبين نفي غير قاطع، وتسريبات لا تجد تأكيداً رسميا، يبقى المشهد مفتوحا على أكثر من احتمال، وسط صراع إرادات داخل القوى السياسية المؤثرة، ولا سيما داخل الإطار التنسيقي.
وخلال اليومين الماضيين، برزت معلومتان أساسيتان شغلتا الرأي العام والمتابعين للشأن السياسي، دون أن تحظيا بتأكيد رسمي حاسم، ما عزز حالة الإرباك وعدم اليقين بشأن المسار الذي ستسلكه عملية اختيار رئيس الحكومة المقبلة.
تسريبات متضاربة
المعلومة الأولى التي جرى تداولها على نطاق واسع، تفيد بأن زعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي قد تنازل عن ترشيحه لمنصب رئاسة الوزراء لصالح رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي، مع طلبه أن يكون الأخير هو المكلف بتشكيل الحكومة الجديدة.
ورغم أن هذه المعلومة نُفيت لاحقا من أكثر من جهة، إلا أن النفي جاء بصيغة غير حاسمة، ما أبقى الباب مفتوحا أمام التأويلات، وأثار تساؤلات حول مدى دقة هذا النفي أو خلفياته السياسية.
أما المعلومة الثانية، فتتعلق بتقليص قائمة المرشحين المحتملين لرئاسة الوزراء من تسعة أسماء إلى أربعة فقط، بعد استبعاد عدد من الشخصيات التي كانت مطروحة في وقت سابق.
هذه المعلومة هي الأخرى قوبلت بنفي غير قاطع، غير أن مراقبين يرون أن طبيعة التداول الإعلامي خلال اليومين الماضيين تعزز هذا الطرح، إذ انحصرت الأسماء المتداولة بأربعة فقط، هم: رئيس جهاز المخابرات، حميد الشطري، حيدر العبادي، محمد شياع السوداني، وعلي شكري، مع غياب واضح لبقية الأسماء التي كانت تُطرح سابقاً.
هذا الانحصار، وإن لم يُعلن رسميا، قد يشير إلى أن عملية الفرز السياسي قد دخلت مرحلة متقدمة، وأن دائرة الاختيار باتت أضيق مما كانت عليه في الأسابيع الماضية.
مواجهة داخل الإطار
في موازاة ذلك، عقد الإطار التنسيقي اجتماعا مهما في منزل رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني، كان من المفترض أن يُخصص للاتفاق على آلية واضحة لاختيار رئيس الوزراء المقبل، غير أن ما جرى داخل الاجتماع، وفق مصادر مطلعة، لم يكن نقاشا إجرائيا بقدر ما تحول إلى سجال سياسي مباشر بين السوداني ونوري المالكي.
وخلال الاجتماع، قدم السوداني عرضا تضمن معلومات ووثائق قال إنها تؤكد أن الوضع الاقتصادي في العراق يمر بمرحلة حرجة، وأن البلاد مقبلة على أزمة مالية خانقة خلال العام الحالي والعام المقبل.
وبناء على هذه المعطيات، طالب السوداني بتمديد بقائه في منصب رئاسة الوزراء، مبررا ذلك بضرورة وجود حكومة مطلعة على تفاصيل الأزمة وقادرة على إدارتها في هذه المرحلة الحساسة.
في المقابل، رفض المالكي هذا الطرح، معتبرا أن وجود أزمة مالية بهذا الحجم يُعد مؤشراً على فشل إداري، وأن المعالجة لا تكون بالتمديد، بل بالبحث عن رئيس وزراء جديد يمتلك القدرة على مواجهة التحديات المقبلة وإدارة المرحلة بشكل مختلف.
هذا الخلاف أدى إلى تعطل مناقشة آلية الاختيار، وحول الاجتماع إلى ما يشبه المواجهة السياسية، دون الخروج بتفاهمات واضحة أو خارطة طريق متفق عليها.
سيناريوهات مفتوحة
في ضوء هذه التطورات، يبقى المشهد السياسي مفتوحا على عدة سيناريوهات، فلا تزال الأسئلة الأساسية بلا إجابة واضحة: هل سيتم اختيار رئيس الوزراء من بين الأسماء الأربعة المتداولة حاليا؟ أم ستعاد قائمة المرشحين إلى تسعة أسماء؟ أم أن التسوية السياسية قد تفرز اسماً من خارج جميع هذه القوائم؟
حتى اللحظة، لا توجد مؤشرات حاسمة ترجح سيناريو على آخر، في ظل استمرار الخلافات داخل الإطار التنسيقي، وغياب توافق واضح بين القوى السياسية.
ومع استمرار الغموض، يبدو أن ملف رئاسة الوزراء سيبقى رهينة التوازنات السياسية، والتجاذبات الداخلية، وربما التطورات الاقتصادية التي باتت عاملا ضاغطا في رسم ملامح المرحلة المقبلة.