الديرة - متابعة
تشهد إيران تصعيداً خطيراً في الاحتجاجات الشعبية، ترافقه حملة قمع دموية وواسعة النطاق تُعدّ، بحسب مراقبين، الأشد منذ قيام الجمهورية الإسلامية. ويأتي ذلك في ظل تعتيم إعلامي شديد، وقطع شبه كامل للإنترنت، ما يجعل الصورة القادمة من الداخل الإيراني مجزأة ومثقلة بالشائعات والتقديرات غير المؤكدة.
ونقلاً عن الصحفي العراقي المقيم في الولايات المتحدة رياض محمد، انه وخلال اليومين الماضيين، انتشرت على نطاق واسع مقاطع فيديو قيل إن أغلبها صُوِّر قرب إحدى المشارح في طهران، وتُظهر عشرات أكياس الجثث – يُقدَّر عددها بنحو 100 كيس – ملقاة على الأرض خارج المشرحة. هذه المشاهد، التي أعادت إلى الأذهان صور الطب العدلي في بغداد عام 2006، بثّتها شبكات إعلامية غربية معروفة مثل PBS وDW وNBC، وهو ما اعتبره متابعون مؤشراً على جديتها، نظراً لآليات التحقق التي تعتمدها هذه المؤسسات قبل النشر.
وبحسب أرقام غير رسمية متداولة، ارتفعت حصيلة الضحايا بشكل متسارع، حيث جرى الحديث عن 500 قتيل ثم 2000 و3000، فيما نقلت شبكة CBS الأميركية تقديراً صادماً وصل إلى 12 ألف ضحية. ورغم عدم وجود تأكيد مستقل لهذه الأرقام، إلا أن القاسم المشترك بينها هو الحديث عن سقوط آلاف القتلى خلال فترة زمنية قصيرة.
وفي حال صحت هذه المعطيات، فإن الاحتجاجات الحالية ستكون الأكثر دموية في تاريخ إيران الحديث. فخلال الثورة الإيرانية التي استمرت أكثر من عام، قُدِّر عدد القتلى بما بين 500 و3000 شخص. أما احتجاجات الانتخابات الرئاسية عام 2009 فأسفرت عن مقتل 72 شخصاً، بينما قُدِّر عدد ضحايا احتجاجات 2019–2020 بنحو 1500، واحتجاجات الحجاب عام 2022 بحوالي 500 قتيل.
وتشير التطورات إلى أن النظام الإيراني يواجه أخطر تحدٍ له منذ عقود. فقد ترافقت الاحتجاجات مع تصعيد غير مسبوق في القمع، حيث أفادت تقارير بأن عدد المعتقلين بلغ نحو 22 ألف شخص، ظهر قرابة 100 منهم في اعترافات متلفزة، مع أنباء عن تنفيذ حكم إعدام وشيك بحق أحدهم، في رسالة ترهيب واضحة لبقية المحتجين.
الصورة من داخل إيران لا تزال غير مكتملة. ووفق مراسلة لشبكة NBC الأميركية من أصل إيراني، عادت خطوط الهاتف الأرضية للعمل جزئياً، مع السماح بالاتصال من داخل إيران إلى خارجها فقط، فيما لا يزال الإنترنت مقطوعاً. ويخشى الإيرانيون من مراقبة اتصالاتهم الخارجية، ما يدفع كثيرين منهم إلى الاكتفاء بطمأنة أقاربهم بعبارات عامة مثل: “أنا بخير ولا علاقة لي بما يحدث”.
كما أفادت إيرانية وصلت حديثاً إلى لندن بأن العديد من العائلات تفتح منازلها للمتظاهرين الفارين من الملاحقات الأمنية، في محاولة لحمايتهم من الاعتقال.
وتقول المعلومات الواردة إن أغلب الضحايا سقطوا يومي الخميس والجمعة، بينما شهد يوم السبت وما تلاه انخفاضاً نسبياً في أعداد المتظاهرين، يُرجَّح أنه ناجم عن الخوف من القتل والاعتقال. وفي المقابل، ترددت أنباء غير مؤكدة عن اشتباكات محدودة في بعض المناطق، وتسليح بعض الأهالي، إضافة إلى عمليات اغتيال استهدفت عناصر عُرف تورطها في قمع الاحتجاجات.
على الصعيد الدولي، وعد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتقديم الدعم للإيرانيين، فيما يُعقد اجتماع مهم لمجلس الأمن القومي الأميركي، قد يُبحث فيه خيار التدخل، سواء عبر ضربات عسكرية محدودة، أو من خلال عمليات إلكترونية ونفسية لدعم المحتجين. وتشير تسريبات إلى أن نائب الرئيس جي دي فانس، إلى جانب الإعلامي المقرب من ترامب تاكر كارلسون، يفضلان عدم الانخراط في تدخل عسكري مباشر.
كما تحدثت تسريبات أخرى عن ضغوط تمارسها دول خليجية، مثل السعودية وقطر، باتجاه تأجيل أي ضربة أميركية محتملة، خشية انعكاساتها على استقرار المنطقة وأسواق النفط، أو خوفاً من تكرار سيناريوهات الفوضى كما حدث في العراق وأفغانستان.
وفي حال وقوع ضربة عسكرية، يرجح مراقبون أن تكون محدودة أو مركزة، وقد تستهدف قيادات عليا في النظام الإيراني أو القوات المتورطة في القمع، مع احتمال مشاركة إسرائيل أو عدمها. أما الرد الإيراني المحتمل، فقد يتركز على إسرائيل أو القواعد الأميركية في المنطقة، خصوصاً في العراق، مع استبعاد استهداف دول مثل السعودية أو عُمان.
وفي سياق متصل، بثّت شبكة CBS مقابلة مع نجل شاه إيران الراحل، في أول ظهور لافت له لدى متابعين كُثر. ورغم اعتباره متحدثاً مقبولاً، إلا أن حضوره – بحسب تقييمات – لا يرقى إلى شخصية والده، وسط اتهامات له بالغرور واعتقاده بأن الشعب الإيراني يريده قائداً لمرحلة انتقالية بعد سقوط النظام.
وبشكل عام، يرى مراقبون أن مستوى القمع الدموي غير المسبوق قد أوصل إيران إلى ما يشبه “نقطة اللاعودة”، حيث إن العنف يولد عنفاً مضاداً، وكل قتيل يتحول إلى رمز، وكل جنازة إلى مظاهرة محتملة. وفي هذا السياق، يذهب البعض إلى أن إيران قد تكون دخلت مساراً خطيراً يُذكّر بما شهدته سوريا بعد عام 2011، مع اختلاف الظروف والسياقات، لكن مع تشابه مقلق في منطق التصعيد والانزلاق نحو المجهول.