الديرة - الرمادي
في ليلة لن تُنسى من ليالي بغداد السياسية، تحولت أروقة الإطار التنسيقي إلى ساحة مواجهة مفتوحة، حيث اصطدمت الطموحات السياسية بالتحذيرات الأمريكية الصارمة، لتنتهي بمشاجرات عنيفة وتبادل لإطلاق النار بين حراس هادي العامري وقيس الخزعلي خارج مقر حزب الفضيلة، جاءت هذه التطورات الدرامية في أعقاب اتصالات أمريكية مكثفة برفض ترشيح نوري المالكي لرئاسة الوزراء، حيث تواصل وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو شخصياً مع رئيس الوزراء محمد شياع السوداني ورئيس تحالف قوى الدولة الوطنية عمار الحكيم، فيما اتصل المبعوث الرئاسي توم براك بمسعود بارزاني محذراً من عواقب دعم ترشيح المالكي على العلاقات الكردية-الأمريكية.
هذا الضغط الأمريكي غير المسبوق أدى إلى انقلاب مواقف بعض القوى داخل الإطار التنسيقي، وتسبب في المضي مع دعوات تأجيل جلسة انتخاب رئيس الجمهورية المقررة اليوم الثلاثاء، ليبقى المشهد السياسي العراقي معلقاً بين رفض واشنطن وإصرار أنصار المالكي.
اتصالات أمريكية حادة
في خطوة تعكس جدية الموقف الأمريكي، أجرى وزير الخارجية ماركو روبيو اتصالين هاتفيين في الليلة نفسها، الأول مع رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، والثاني مع رئيس تحالف قوى الدولة الوطنية عمار الحكيم، أبلغهما فيهما بوضوح تام بتحفظ الولايات المتحدة على ترشيح نوري المالكي لرئاسة الوزراء.
لم تكتفِ واشنطن بهذا المستوى من التدخل، بل امتد الضغط إلى الساحة الكردية، حيث اتصل المبعوث الرئاسي توم براك بزعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني، محذراً إياه صراحةً من الاستمرار في دعم ترشيح المالكي، وما قد يجره ذلك من أضرار على العلاقات الكردية-الأمريكية.
هذه الاتصالات المتزامنة تكشف عن استراتيجية أمريكية واضحة تستهدف محاصرة ترشيح المالكي من كل الجهات: الشيعية والكردية على حد سواء.
وفي هذا السياق، كشف عامر الفايز، رئيس كتلة تصميم المنضوية في الإطار التنسيقي، أن مارك سافايا مبعوث الرئيس الأمريكي أبلغ قادة القوى الشيعية “بنحو مؤكد” أن من غير المقبول وجود الفصائل في المناصب العليا والحكومة، مع تركيز خاص على نائب رئيس البرلمان عن عصائب أهل الحق عدنان فيحان.
أضاف الفايز أن موقف الأمريكيين كان واضحاً: “اختياركم لرئيس الوزراء شأن داخلي، وهذا من حقكم، وكذلك نحن من حقنا أن نتعامل مع الحكومة القادمة أو لا نتعامل”، في إشارة صريحة إلى إمكانية فرض عقوبات أو قطع التعاون مع حكومة يترأسها المالكي.
ليلة عاصفة في مقر الفضيلة
يوم أمس، وفي مقر حزب الفضيلة، شهد اجتماع الإطار التنسيقي بحضور جميع أعضائه تطورات دراماتيكية غير مسبوقة، عُرضت خلال الاجتماع كافة التحذيرات الأمريكية التي وصلت عبر الاتصالات الهاتفية، ما تسبب في قلب مواقف بعض القوى الإطارية التي كانت داعمة للمالكي، لكن هذا التحول في المواقف لم يمر بسلام، بل تسبب في مشاجرات عنيفة وتدافع داخل قاعة الاجتماع، قبل أن يتطور الأمر إلى مستوى أخطر، تبادل لإطلاق النار خارج موقع الاجتماع بين الحرس الخاص لكل من هادي العامري، زعيم تحالف الفتح، وقيس الخزعلي، الأمين العام لعصائب أهل الحق.
وكان الفايز قد كشف في وقت سابق أن السيد عمار الحكيم والشيخ قيس الخزعلي اقترحا عدم الاستعجال بإعلان المالكي مرشحاً لرئاسة الوزراء، وسماع مزيد من الآراء من المكونات الأخرى والمواقف الإقليمية والدولية، لكن الأغلبية رفضت وأصرت على الإعلان، رغم أن الحكيم والخزعلي “لم يكونا مقتنعين” بحسب تعبيره.
تأجيل الجلسة
بسبب التحذير الأمريكي الصريح والانقسامات الداخلية، اقترح الوفد التابع لمسعود بارزاني على وفد الاتحاد الوطني الكردستاني تقديم طلب لتأجيل جلسة انتخاب رئيس الجمهورية المقررة لهذا اليوم، بسبب انعدام التوافق حول المرشح لمنصب رئيس الجمهورية.
رئيس البرلمان هيبت الحلبوسي رفض الطلب في البداية خشية المساس بالتوقيتات الدستورية، لكنه اضطر في النهاية للاستجابة بعد تسلمه طلبات رسمية من الحزب الديمقراطي الكردستاني وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني لتأجيل الجلسة.
وبحسب مصادر سياسية، قد تتحول جلسة اليوم إلى تشاورية، وسط توقعات بعدم اكتمال النصاب، وغياب التوافق على كل من المرشح لتشكيل الحكومة والمرشح لرئاسة الجمهورية.
مصادر تلفزيون "الديرة" تتحدث عن إمكانية عقد جلسة التصويت على رئيس الجمهورية يوم الخميس القادم، أو الأحد الذي يليه.
وفي هذا السياق، حذر القيادي البارز في الحزب الديمقراطي الكردستاني هوشيار زيباري من أن ترشيح المالكي وتحديد موعد الجلسة “لا يعني في السياسة العراقية بأن الأزمة وتحديد الرئاسات الثلاثة وتشكيل الحكومة بات محسوماً”، مشيراً إلى أن الأيام القادمة “حبلى بالمفاجئات والانعطافات”.
من جهته، برر عضو حزب تقدم عبد الناصر درويش رفض ترشيح المالكي بوجود “فيتو سياسي”، مؤكداً أن حزبه يرفض العودة إلى “المرحلة الجدلية” من تاريخ الحكم في العراق، كاشفاً أن الاعتراض جاء من الرئيس محمد الحلبوسي.