آخر الأخبار


ليلة حافلة بالرسائل الأمريكية: الأولى تهديد والثانية شروط.. بغداد تقرأ بصمت!

  • A+
  • A-

 الديرة - الرمادي


جددت الولايات المتحدة تحذيراتها إلى بغداد على وقع تشكيل الحكومة العراقية المقبلة، حيث أبلغ المتحدث باسم الخارجية الأمريكية، ماثيو ميلر، أن اختيار نوري المالكي رئيساً للوزراء سيُجبر الولايات المتحدة على إعادة تقييم علاقتها مع العراق، محذراً من أن لهذا الاختيار نتائج "سلبية" مباشرة على الشعب العراقي. وتأتي هذه التصريحات في خضم مساعي الكتلة الكبرى المتمثلة بالإطار التنسيقي لتأمين شريك إقليمي للمضي بتكليف المالكي، وسط رسائل أمريكية صريحة تضع خطوطاً حمراء أمام مشهد سياسي يبدو أكثر تعقيداً مما كان عليه في أي مرحلة سابقة.


رسائل أمريكية 


يوم أمس، أصدرت وزارة الخارجية العراقية بياناً صحفياً استثنائياً نادراً ما تلجأ إليه في سياق تصريحات وزير خارجيتها. 

كشف البيان أن الجانب الأمريكي أوصل إلى بغداد رسالة شفهية تضمنت فقرتين محوريتين، الأولى احتوت على تلميح واضح وصريح بإمكانية فرض عقوبات على أفراد ومؤسسات، فيما تناولت الثانية مجموعة من المعايير المرتبطة بطبيعة التعاون مع واشنطن، ولا سيما فيما يتعلق بتشكيل الحكومة المقبلة وآليات عملها.

وأوضح البيان أن وزير الخارجية فؤاد حسين، في مقابلته المتلفزة ضمن برنامج "المواجهة" الذي يقدمه هشام علي، لم يتطرق إلى مضامين الفقرة الأولى المتعلقة بالتلميح بالعقوبات، وانصب حديثه على معايير التعاون في الفقرة الثانية، غير أن بعض وسائل الإعلام تداولت المعلومات خارج سياقها مما أوجد لبساً في التغطيات. 

وأشار حسين، بصراحة نادرة، إلى أن العراق لا يستطيع "الوقوف أمام دولة كبرى مثل أمريكا"، مقراً بأن الإدارة الجمهورية الجديدة في واشنطن تختلف جوهرياً عن سابقتها الديمقراطية في نهجها تجاه بغداد.


أولويات واشنطن


لم تكتف واشنطن بالتحذير من شخص المالكي، بل رسمت خارطة طريق واضحة لما تريده من الحكومة العراقية المقبلة، إذ أوضح المتحدث باسم الخارجية الأمريكية أن أولويات بلاده تتمحور حول ثلاثة محاور، إنهاء هيمنة الميليشيات المدعومة من إيران على السياسة العراقية، والحد من النفوذ الإيراني الذي باتت واشنطن تعده تهديداً مباشراً لها ولحلفائها في المنطقة، وتعزيز علاقة تجارية واستراتيجية قوية مع بغداد بما يُرسّخ حضور الشركاء الإقليميين المشتركين.

وفي هذا السياق، يرى الباحث الأمريكي المتخصص في الشأن العراقي مايكل نايتس أن إزاحة المالكي لا تعني بالضرورة أن واشنطن ستقبل بأي بديل، محذراً من أن العراق يواجه خطر الوقوع في براثن تحالف ثلاثي يصفه بـ"الأخطر"، يضم رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني وحركة عصائب أهل الحق وإيران. 

ويشير نايتس إلى أن التحدي الحقيقي لا يكمن في استبعاد المالكي وحده، بل في اختيار "مرشح تسوية" حقيقي يمتلك الإرادة والقدرة على الانفكاك من هذه الشبكة النفوذية المتشعبة.

وفي السياق ذاته، نشرت السفارة الأمريكية في بغداد تصريحات القائم بالأعمال جوشوا هاريس، التي جاءت في توقيتها وصياغتها لتشكل رسالة استراتيجية موجهة مباشرة إلى من يهمه الأمر في العاصمة العراقية. 

وكشف هاريس أنه أجرى مشاورات مع قادة إقليم كردستان لتعزيز المصالح المشتركة في صون السيادة العراقية وتعزيز الاستقرار الإقليمي وتقوية الروابط الاقتصادية، مجدداً التزام الولايات المتحدة بدعم عراق يتمتع بسيادة كاملة وشراكة أمريكية مستدامة مع إقليم كردستان تُحقق فوائد ملموسة لكلا الشعبين.

ولم يتوقف هاريس عند حدود الدبلوماسية الناعمة، إذ شدد على استعداد الولايات المتحدة لاستخدام “كامل نطاق الأدوات المتاحة” للتصدي لأنشطة إيران المزعزعة للاستقرار في العراق، وذلك في الوقت الذي يعمل فيه القادة العراقيون على بلورة إطار سياسي مستقل قادر على تقديم المصالح الوطنية العراقية أولاً. 

وتشكل هذه الصياغة، التي وظفتها السفارة في منشور علني على منصة "إكس"، تصعيداً لافتاً في لغة التحذير الأمريكي؛ إذ تتخلى عن الغموض الدبلوماسي وتنتقل إلى الإفصاح المباشر عن استعداد حقيقي للتدخل، في مؤشر واضح على أن واشنطن لم تعد تكتفي بالمراقبة عن بُعد لمسار تشكيل الحكومة العراقية المقبلة.


بغداد أمام خيارات محدودة


تكشف تصريحات فؤاد حسين عن حجم الضغط الذي يعيشه صانع القرار العراقي، ففي الوقت الذي تؤطر فيه بغداد علاقتها مع واشنطن في إطار الاتفاقية الأمنية  الاستراتيجية الموقعة إبان عهد المالكي نفسه، يرى بعض صناع القرار الأمريكيين أن العراق تحول في الواقع إلى "ساحة خلفية لإيران"، وهو وصف يلقي بظلاله الثقيلة على أي مسعى لإعادة بناء الثقة بين العاصمتين.

ويرى مراقبون أن المشهد الراهن يفيد بأن العراق أمام معادلة بالغة الدقة، حيث لا تزال القوى السياسية الشيعية الكبرى تدور في فلك إيران، في حين تلوح واشنطن بأوراق ضغط اقتصادية وسياسية لا تستطيع بغداد تجاهلها في ظل هشاشة اقتصادها وارتباطها بمنظومة مالية دولية تتحكم فيها الولايات المتحدة إلى حد بعيد.