آخر الأخبار


كيف نجت الأنبار من طوفان المخدرات الذي اجتاح العراق؟

  • A+
  • A-

 الديرة - الرمادي


الأنبار ليست محافظة عادية في الخريطة العراقية عندما يتعلق الأمر بملف المخدرات.

ففي قراءة هادئة لمشهد انتشار المخدرات في العراق خلال العقد الأخير، يبرز اسم الأنبار بوصفه حالة تستحق التوقف عندها.

ليس لأن المحافظة كانت بعيدة عن العواصف، بل على العكس تماماً؛ فقد مرّت فوق أرضها أعنف الحروب، ومع ذلك بقي مجتمعها إلى حد كبير خارج دائرة الإدمان التي اتسعت في مناطق أخرى من البلاد.

مع بدايات الأزمة السورية عام 2011 تغيرت وظيفة الجغرافيا في المنطقة.

الحدود الطويلة بين العراق وسوريا تحولت تدريجياً إلى ممر مفتوح لعمليات التهريب، وكانت المخدرات أحد أخطر المسارات التي نشطت عبر تلك الحدود.

وخلال السنوات بين 2012 و2016، بدا الطريق الممتد عبر البادية وكأنه طريق مهيأ للمهربين. الفوضى الأمنية في المنطقة، وانشغال الدول بالحروب، منحت شبكات التهريب فرصة ذهبية لتوسيع نشاطها.

لكن بعد مرحلة تنظيم داعش واستعادة الدولة العراقية سيطرتها على الأنبار، بدأت معادلة جديدة تتشكل.

عندما تولى الرئيس محمد الحلبوسي منصب محافظ الأنبار، دخلت المحافظة مرحلة مختلفة من التنظيم الأمني والإداري. لم يكن الأمر مجرد خطاب سياسي، بل سلسلة إجراءات ميدانية أعادت ترتيب العلاقة بين الدولة والحدود والصحراء.

ومن زاوية أوسع يمكن ملاحظة عدة مسارات متوازية:

    •    قيادة شرطة الأنبار شددت إجراءات التدقيق والمتابعة داخل المدن، وأطلقت حملات لملاحقة المروجين والمتعاطين، حتى أصبح الاشتباه نفسه مدخلاً للتحقيق والمتابعة.

    •    قيادة عمليات الأنبار التابعة للجيش العراقي عملت على ضبط المساحات الواسعة من الصحراء، وهي المساحات التي طالما استخدمها المهربون طرقاً بديلة بعيداً عن أعين الدولة.

    •    قيادة قوات حرس الحدود العراقية تولت تأمين الخط الحدودي الطويل مع سوريا بوصفه الحاجز الأول أمام عمليات التهريب.

    •    جهاز الأمن الوطني العراقي ركز على الجانب الاستخباري الأكثر تعقيداً، من خلال تعقب الشبكات وتفكيكها قبل وصولها إلى الداخل العراقي، وأحياناً قبل عبورها الحدود أصلاً.

هذا المسار لم يتوقف عند مرحلة الرئيس الحلبوسي، بل استمر في عهد المحافظ السابق محمد نوري الدليمي والمحافظ الحالي عمر الدبوس، حيث حافظت المؤسسات الأمنية والإدارية على النهج نفسه في التعامل مع ملف المخدرات بوصفه خطراً استراتيجياً، لا مجرد جريمة جنائية.

المفارقة التي يلاحظها المراقب أن الأنبار، رغم كونها أكبر محافظات العراق مساحة، ورغم ما شهدته من حروب ودمار ونزوح، لم تتحول إلى بيئة خصبة للإدمان كما حدث في مناطق أخرى.

فالنسيج الاجتماعي المحافظ، إلى جانب الرقابة الأمنية الصارمة، شكّل ما يشبه الجدار المزدوج: جدار المجتمع، وجدار الدولة.

ومن هنا تبدو الأنبار اليوم حالة مختلفة في الخريطة العراقية.

ليست محافظة بلا مشاكل، لكنها مقارنة بغيرها استطاعت أن ترسم حدوداً واضحة أمام خطر المخدرات الذي بدأ يفتك بأسر كثيرة في أنحاء العراق، للأسف الشديد.