الديرة - الرمادي
تشير المعطيات الصادرة عن مركز الإعلام الرقمي إلى حقيقة لافتة: الأنبار هي الأقل تفاعلاً على مواقع التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك، وإنستغرام، وX. لكن هذه الحقيقة، في جوهرها، لا تعبّر عن نقص بقدر ما تكشف عن خيار اجتماعي مختلف، يضع الإنسان في مركز العلاقة لا الشاشة.
في الانبار، ما زالت الروابط العائلية تحتفظ بثقلها التاريخي، وما زال التواصل وجهاً لوجه طقساً يومياً لا يُستبدل. المجالس، الزيارات، واللقاءات المباشرة ليست بديلاً عن العالم الرقمي، بل هي الأصل الذي لم يُفرّط به. ومن هذا الأصل تتشكل بنية اجتماعية أكثر تماسكاً، وأقل عرضة للتآكل الذي تُحدثه المقارنات الزائفة، أو الإدمان، أو الشائعات التي تنتشر بلا رقيب.
ومنذ عام 2017، بعد تحرير الأنبار، بدا واضحاً أن الاستقرار الذي تحقق لم يكن نتاج الظهور الإعلامي، بل ثمرة عقد اجتماعي غير مكتوب، قوامه الثقة والتماسك المحلي. ولهذا يغيب نجم المنصة لصالح فاعل الأرض، ويقل حضور الشخصيات المثيرة للجدل، كما يتراجع اندفاع المسؤولين نحو الكاميرا، إلا حين يسبقها إنجاز متحقق، لا وعد مُعلن.
وفي زاوية أخرى من المشهد، يمكن قراءة أثر لا يقل أهمية: قلة التواجد الرقمي تعني، بالضرورة، انخفاض التعرض لحملات التضليل، وخطابات التحريض، والفتن الطائفية التي تجد في المنصات بيئة خصبة للانتشار السريع. وهنا تتحول الندرة الرقمية إلى شكل من أشكال المناعة الاجتماعية.
تشير تجارب عديدة إلى أن المجتمعات الأقل انخراطاً في الفضاء الرقمي تميل إلى قدر أعلى من الهدوء، وتركيز أكبر على البناء والإعمار، وعلى تفاصيل الحياة اليومية بوصفها أولوية لا هامشاً. وفي الأنبار يتجلى هذا المعنى بوضوح: إنتاجية ترتكز على الواقع، لا على الصورة؛ واستقلالية تنبع من العمل، لا من الشهرة الافتراضية.
ولا يمكن إغفال بُعد ثقافي محافظ، يتمثل في تفضيل كثيرين عدم نشر حياتهم الخاصة، خصوصاً ما يتعلق بالعائلة، والنساء، والأطفال، درءاً لمخاطر مثل الابتزاز الإلكتروني أو انتهاك الخصوصية. وهنا يصبح الامتناع عن النشر موقفاً واعياً، لا عزلة.
إن الإفراط في استخدام وسائل التواصل، كما تُظهره دراسات متعددة، يرتبط بارتفاع مستويات القلق والاكتئاب، بينما يساهم الاعتدال في تعزيز التوازن النفسي والاجتماعي. والأنبار، دون أن تعلن ذلك، تبدو وكأنها وجدت معادلتها الخاصة لهذا التوازن.
يمكن القول إن الأنبار لم تغب عن العالم، بل اختارت زاوية مختلفة للحضور.