الديرة - الرمادي
يطرح الشارع العراقي معادلة تفسيرية بالغة التعقيد والواقعية عند سؤاله عن أسباب عزوفه أو عدم اهتمامه الجاد بالحملات الحكومية المتكررة لحصر السلاح بيد الدولة، فالمواطن في جوابه العفوي والعميق لا يرى في تلك الترسانات المنتشرة مجرد أداة للجريمة الجنائية أو الخروج العابر على القانون، بل يعتقد جازماً أن هذا السلاح وجد أساساً ليكون خط الدفاع الأخير وورقة الضغط العظمى لتصفية الخلافات الحزبية والسياسية الداخلية بين شركاء الحكم والمنظومة، في حال انهارت التوافقات وتصادمت المصالح على كعكة السلطة والمال.
ولا يمكن للتحليل السياسي المنصف أن يخطّئ المواطن في هذا الاستنتاج؛ فالذاكرة القريبة والبعيدة للبلاد تؤكد أن السلاح المنفلت والموازي لم يُستخدم في أغلب الأحيان لتهديد أمن المواطن البسيط بشكل مباشر، بل كان يتحرك ويهتز بقوة كلما انسدت طرق التفاوض بين الكتل النافذة حول تشكيل حكومة أو تقاسم مغانم أو نفوذ قطاعي. إن المواطن هنا لا يدافع عن فوضى السلاح، بل يشخص بذكاء فطري أن المشكلة ليست في "وجود" السلاح بل في "وظيفة" السلاح داخل النظام السياسي، حيث باتت القوة العسكرية الموازية هي الصمام الفعلي لحفظ التوازن الهش بين أطراف السلطة، وهي الضمانة التي تمنع أي طرف من الاستئثار بالمشهد وإقصاء الآخرين.
إن عدم اهتمام الشارع بهذه القضية هو نتاج طبيعي لأزمة الثقة العميقة، فالجمهور يرى أن السلاح سيبقى حاكماً وموجهاً للمشهد السياسي ما دامت القوانين والدستور والمؤسسات غير قادرة بمفردها على حماية التداول السلمي للسلطة وردع المتجاوزين.
إن معالجة ظاهرة السلاح المنفلت لا تبدأ من مداهمة المخازن أو إصدار البيانات الفوقية، بل تبدأ من تفكيك البيئة السياسية التي جعلت من السلاح حاجة إستراتيجية للبقاء وحفظ النفوذ. وحتى يرى المواطن العراقي أن الدولة قوية بما يكفي لحمايته وحماية النظام العام دون الحاجة لتوازنات الرعب الحزبية، سيبقى مؤمناً بأن تلك الترسانات هي الصياغة الحقيقية الموازية لقانون إدارة الدولة، وأن الحديث عن حصرها هو مجرد أمنيات مؤجلة في سوق السياسة العراقية.