الديرة - الرمادي
عندما يجري الحديث عن الأزمة الاقتصادية في العراق، تتجه أصابع الاتهام فوراً نحو رواتب موظفي القطاع العام بوصفها العبء الذي يهدد ميزانية الدولة. لكن الأرقام الرسمية لموازنات دول المنطقة تكشف حقيقة مغايرة تماماً؛ فالعراق يخصص سنوياً ما بين 43 إلى 46 مليار دولار للرواتب، وهو رقم يراه خبراء الاقتصاد معقولاً ومقبولاً جداً إذا ما قورن بدول جوار ذات كثافة سكانية أقل أو مقاربة. فالمملكة العربية السعودية، على سبيل المثال، تنفق نحو 135 مليار دولار سنوياً على الرواتب، وتخصص دولة الكويت قرابة 49 مليار دولار لباب الأجور والمرتبات، في حين تبلغ هذه الكلفة في دولة قطر نحو 17 مليار دولار.
الفارق الحقيقي بين العراق وهذه الدول لا يكمن في عدد الموظفين أو المبالغ الموزعة عليهم، بل في حجم "الناتج المحلي الإجمالي" ونوعيته. فالدول المجاورة تمتلك اقتصاداً قوياً ومتنوعاً ينتج ثروات هائلة من قطاعات الصناعة والاستثمار والخدمات، مما يجعل ميزانياتها قادرة على هضم واستيعاب كلفة الرواتب مهما بلغت، بل وتدوير هذه الأموال محلياً لتحريك السوق. بالمقابل، يقف الاقتصاد العراقي عاجزاً عن توليد أي قيمة مضافة خارج برميل النفط الذي ننتظر صعود ونزول سعره عالمياً لندفع الالتزامات اليومية.
هذا العجز في زيادة وتطوير الإنتاج المحلي لا يعود لقلة الموارد، بل يرجع مباشرة إلى سوء إدارة هذه الموارد، واستمرار العرقلة أمام مشاريع القطاع الخاص، فضلاً عن آفة الفساد التي تلتهم فرص التنمية. وبناءً على ذلك، فإن حصر المشكلة في "تضخم الرواتب" هو تشخيص خاطئ للعلة؛ فالأزمة ليست في أن الدولة تدفع لمواطنيها وموظفيها مستحقاتهم، بل في أنها لم تنجح حتى الآن في بناء اقتصاد حقيقي ينتج الثروة بدلاً من الاكتفاء بتوزيع عائدات النفط.