الديرة - الرمادي
الدولة لا تهبط من السماء، بل تتشكل من سلوك الناس ثم تعود فتُعيد تشكيلهم.
في بغداد وفي ذلك الشارع لم يكن الرجل الذي صعد بسيارته فوق الرصيف مجرد مخالف بل كان دون أن يدري نتاج سنوات من غياب المعنى الحقيقي للدولة، لم يكن يرى في الرصيف ملكاً عاماً، بل فراغاً متاحاً، ولم يكن يتوقع حساباً لأن فكرة الحساب نفسها غائبة أو مُرتبكة.
وحين خرج صاحب البيت لم يكن يدافع فقط عن مساحة أمام داره، بل عن ما تبقى لديه من إحساس بالنظام، أما الجيران الذين اكتفوا بالمشاهدة، فقد جسّدوا حالة حياد اجتماعي خطير: مجتمع يرى الخطأ لكنه لا يشعر أنه معنيّ بتصحيحه.
ويبقى المشهد الأهم: رجل المرور كان حاضراً بالجسد، غائباً بالدور، يهدّئ ولا يُحاسب، يتوسط ولا يُنهي، وهنا تتجلى الأزمة بوضوح، حين يتحول ممثل القانون من صاحب قرار إلى مجرد وسيط، فإن القانون نفسه يفقد هيبته، ويتحول إلى خيار لا إلى قاعدة.
غير أن الصورة ليست واحدة في كل مكان.
في الأنبار هناك تجربة مختلفة، لم تبدأ بالإسفلت ولا بالبناء، بل بدأت بإعادة تعريف العلاقة بين الفرد والقانون، لم يُترك السلوك ليُهذب تلقائياً، بل فُرضت معادلة واضحة: لا أحد فوق النظام.
قبل أن تُبنى البنايات، رُفعت كلفة الفوضى، وقبل أن تُعبد الطرق، عُبدت فكرة أن الشارع ليس ملكاً لأحد، لم تكن الإجراءات كلها مرئية ولم تُعرض جميعها في الإعلام، لكنها تركت أثرها في البنية العميقة للمجتمع.
حوسب الكبير قبل الصغير، وسُحبت من بعض الأفراد تلك المساحة الرمادية التي كانوا يتحركون فيها بلا خوف. ومع الوقت لم يعد القانون مجرد نص، بل أصبح تجربة يومية يلمسها الجميع.
وعندما وُضع رجل المرور في الشارع، لم يكن مجرد شخص يرتدي بدلة، بل كان رمزاً لحضور الدولة، لم يعد يهدّئ النزاعات، بل يحسمها ولم يعد وسيطاً، بل مرجعاً للقانون، وهنا بدأ التحول الحقيقي، الناس لم تعد تلتزم خوفاً فقط، بل لأن صورة النظام أصبحت واضحة ومستقرة.
ثم حدث ما هو أعمق.
المعلم استعاد مكانته داخل المدرسة، والطبيب داخل المستشفى، وحتى عامل النظافة لم يعد ذلك الشخص المنسي، بل صار جزءاً من معادلة الاحترام العام، لم يعد ينحني ليلتقط ما يُلقى، لأن المجتمع نفسه بدأ يرفض أن يُلقى شيء من الأساس.
وهكذا تشكلت فلسفة غير مكتوبة: مسؤولية المجتمع تبدأ من مسؤولية الفرد.
إن الفرق بين المشهدين: شارع في بغداد، وتجربة في الأنبار ليس فرقاً في الناس، بل في من يُعرّف قواعد الدولة، حين تغيب الدولة كفكرة جامعة تتعدد السلطات، ويصبح الانتماء للأقوى لا للأصح، وحين تحضر الدولة لا كقوة قمع فقط بل كمرجعية عادلة، يبدأ المجتمع بإعادة اكتشاف نفسه.
وفي الخلاصة، ليست المشكلة في المواطن الذي صعد على الرصيف، بل في الدولة التي لم تُقنعه يوماً أن الرصيف ليس ملكا له.