آخر الأخبار


بين الناس لا فوقهم.. حكاية عمر دبوس

  • A+
  • A-

 الديرة - الرمادي


في مجتمعات العمل اليدوي والبلديات، هناك قاعدة غير مكتوبة يعرفها العمال جيداً:

العامل لا يعمل بيديه فقط، بل يعمل أيضاً بكرامته.

فعندما يشعر العامل أن من يقف فوقه في السلم الوظيفي يراه إنساناً لا مجرد رقم، يتضاعف جهده تلقائياً. عندها يتحول موقع العمل إلى ما يشبه خلية نحل؛ حركة متواصلة وضجيج عمل لا ينقطع، لكن مصدره الرضا لا الإكراه.

هذه القاعدة تفسّر كثيراً من القصص التي يتداولها أبناء الرمادي عن تجربة عمر دبوس في سنوات عمله الأولى عندما كان مديراً لبلدية المدينة.

لم يكن الرجل ـ كما يروي من عرفوه ـ مديراً يراقب العمل من خلف مكتب أو من شرفة الإدارة.

بل كان قريبا من كل من يعمل تحت إمرته، وصولا إلى أبسط عامل في أبعد نقطة من حدود مسؤوليته.

كانت الفكرة التي تحكم سلوكه بسيطة:

اليد التي تبني شارعاً، أو تصلح مجرى ماء، أو ترفع النفايات عن الأرصفة، لا تحتاج إلى أوامر فقط… بل تحتاج أيضاً إلى من يقف قريباً منها.

ولهذا لم يكن غريباً أن يُرى:

    •    بين العمال في مواقع العمل.

    •    عند حفرة في شارع قيد الإصلاح.

    •    أو في زاوية من زوايا المدينة حيث يتشكل العمل الحقيقي.

اللافت أن تلك المشاهد لم تكن غالباً أمام عدسات الكاميرات أو ضمن حملات إعلامية منظمة.

لكن ما لم تلتقطه الكاميرا، التقطته ذاكرة الناس.

فالعامل حين يعود إلى بيته مساءً لا يروي لأسرته عدد الأمتار التي رصفها في الطريق، بل يروي موقفاً صغيراً:

مدير مرّ علينا…

صافحنا…

أو شاركنا العمل والأكل تحت الشمس.

ومن هنا تبدأ الحكايات الصغيرة بالانتشار:

من بيت إلى بيت، ومن مجلس إلى آخر.

قصص بسيطة، لكنها تتراكم ببطء حتى تتحول إلى رأي عام صامت.

لهذا لم يكن فوز عمر دبوس في انتخابات مجالس المحافظات مفاجئاً لمن يعرف تلك القصص.

فالناس لا تصوّت فقط للبرامج والشعارات، بل تصوّت أيضاً لما تختزنه ذاكرتها من تجارب يومية.

هذه التجربة يمثلها قول أحدهم: 

إن القوة قد تدفع الناس إلى السير معك نصف الطريق،

لكن المحبة وحدها هي التي تجعلهم يقفون إلى جانبك حتى النهاية.

ربما لهذا السبب تحديداً، رأى أهل الأنبار فيه لاحقاً خياراً مناسباً لمنصب محافظ الأنبار.

لم يكن ذلك مجرد انتقال إداري من وظيفة إلى أخرى، بل امتداداً لعلاقة قديمة بين الرجل والناس الذين عرفوه في الميدان.

المثير في التجربة أن وصوله إلى المنصب لم يغيّر تلك المعادلة.

فالموقع الرسمي لم يتحول إلى منصة بعيدة، بل بقي أقرب إلى مساحة حركة داخل المجتمع.

يكفي أن ترى محافظاً يقف في ملعب كرة قدم تارتان، يشارك مجموعة من الشباب فرحة هدف التعادل في مباراة.

قد يبدو المشهد بسيطاً، لكنه في السياسة المحلية يحمل دلالة مهمة: أن المسؤول يرى المجتمع لا بوصفه جمهوراً يدير شؤونه، بل عائلةً كبيرة يريد لها أن تفرح.

فالهدف الذي يسجله فريق شاب في حي شعبي قد يبدو حدثاً رياضياً صغيراً، لكنه في عين مسؤول قريب من الناس انعكاس لشيء أكبر: مجتمع يريد أن يشعر بالحياة.

ان الإنجاز الحقيقي ليس ما تضيفه إلى سيرتك السياسية،

بل ما تتركه في حياة الناس الذين يعيشون حولك.

وفي هذا الفارق تحديداً يمكن فهم المسافة بين السلطة بوصفها امتيازاً، وبين تجربة رجل مثل عمر دبوس.