آخر الأخبار


معلومات الدلالين في بغداد ترسم مؤشرات مهمة عن الأنبار

  • A+
  • A-

 الديرة - الرمادي


قبل مدة ليست بالطويلة أُجري استبيان استقرائي بين أصحاب مكاتب الدلالية في بغداد وجاءت النتيجة لتؤكد أن أكثر من مئتي مكتب موزعين بين الكرخ والرصافة، قدموا شهادة متقاطعة لا تخلو من دلالة، بل تكاد تُشكل ملامح ظاهرة تستحق التوقف عندها.

تقول هذه الشهادة إن جزءاً كبيراً من العوائل والشباب القادمين من مدن عديدة الى بغداد، بسبب الوضع الأمني، أولئك الذين دفعتهم الأحداث العاصفة إلى النزوح، قد اتخذوا قراراً مختلفاً بعد هدوء العاصفة، لم يعودوا أو على الأقل لم يعودوا جميعاً. نسبة معتبرة منهم فضلت البقاء في بغداد واستأجرت البيوت وانخرطت في نسيج المدينة.

في المقابل، تبرز حالة الأنبار كاستثناء لافت، إذ يشير الاستبيان ذاته وعلى لسان ذات الشريحة من أصحاب المكاتب، إلى أنّ ما يزيد على تسعين في المئة من أهالي الأنبار الذين نزحوا إلى بغداد قد عادوا إلى مناطقهم. عودة شبه جماعية، لا يمكن تفسيرها بالعاطفة وحدها، ولا بالحنين فقط، بل بشيء آخر أكثر عمقاً.

في الكرخ تحديداً حيث كانت بعض الأحياء قد امتلأت خلال سنوات النزوح بعوائل أنبارية، سُجل خلال السنوات الثلاث الأخيرة ما يشبه الفراغ الصامت، بيوت أُخليت، عقود إيجار لم تُجدد، وأسماء اختفت من سجلات السكن كما ظهرت فجأة قبل سنوات.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: لماذا عاد هؤلاء، بينما بقي أولئك؟

الإجابة كما تُفهم من السياق العمراني والاقتصادي، تكمن في التحول الذي شهدته الأنبار نفسها، فالمحافظة التي كانت ساحةً للحرب، تحولت خلال فترة وجيزة إلى ورشة إعادة بناء واسعة، مجمعات سكنية حديثة، بنى تحتية متطورة، ومحاولات واضحة لإعادة تشكيل البيئة الحضرية، بشكل أفضل مما كانت عليه حتى قبل عقود طويلة.

هذا التحول لم يُغير فقط شكل المدينة، بل أعاد تشكيل وعي الإنسان الأنبارّي ذاته، حين غادر كان يحمل صورة عن وطن مهدم، وحين عاد وجد نفسه أمام واقع يتجاوز تلك الصورة، لم يكن يبحث عن تعويض عما خسره فحسب، بل عن بداية جديدة وربما وهذا هو الأهم عن كرامة المكان.

والمفارقة أنّ هذا التحول لم يقتصر أثره على ابن الأنبار وحده، بل امتد إلى البغدادي أيضاً، الذي بدأ ينظر إلى تلك المناطق بعين مختلفة، لا بوصفها أطرافاً منكوبة، بل بوصفها نماذج محتملة لإعادة البناء.

وهنا تكمن المفارقة العميقة:

بعض المدن تدفعك للرحيل حين يكون كل شيء مهدماً،

وبعضها حين تعود، تُعيدك إلى نفسك وتكشف أن المكان الذي ولدت فيه يمكن أن يكون أفضل مما تركته قبل الحرب.