الديرة - الرمادي
الدشداشة في تاريخ وادي الرافدين، كانت امتداداً طبيعياً لروح المكان، منذ القدم ظهرت هذه الهيئة البسيطة بوصفها تعبيراً عن انسجام الإنسان مع بيئته، ومع إيقاع الحياة التي لا تحتمل التعقيد في شكلها، وإن كانت معقدة في جوهرها.
وعبر الزمن لم تفقد الدشداشة معناها، بل تغير سياقها. تحولت من لباس يومي طبيعي إلى رمز، ثم من رمز إلى علامة هوية، في الريف والبادية بقيت الدشداشة ثابتة، لا لأن أهلها يرفضون التغيير، بل لأنهم وجدوا فيها اختصاراً لما هم عليه، بساطة، ووضوح، وانتماء غير قابل للتفاوض.
في القرن الأخير بدأت المدن تأخذ مساراً مختلفاً، بغداد على وجه الخصوص، اختارت لنفسها شكلاً آخر، البنطال والقميص وربما السترة، كأنها تكتب هويتها بلغة حضرية أقرب إلى العالم، لم يكن ذلك انقطاعاً عن الجذور، بل محاولة لخلق توازن بين الداخل والخارج، بين ما هو عراقي وما هو عالمي.
لكن التحوّل الأبرز لم يكن في القرن الماضي، بل في العقد الأخير مع صعود مواقع التواصل الاجتماعي، تغيرت وظيفة الصورة، أصبحت بياناً بصرياً عن الهوية، في الأنبار أخذت الدشداشة موقع الصدارة في هذا البيان في الأعراس، في المناسبات، وحتى في تفاصيل الحياة اليومية. لم تعد تُلبس فقط في الحزن أو الفرح، بل صارت تُلبس كإعلان مستمر، هذا نحن.
ومع الاحتفال الأخير بالعيد الوطني، حدث ما يشبه إعادة توزيع الرموز، بغداد التي اعتادت أن ترى نفسها بلباس مختلف خرج شبابها بالدشداشة، لم يكن ذلك تقليداً للأنبار، ولا تنازلاً عن خصوصية المدينة، بل كانت لحظة التقاء غير معلنة الفيديوهات التي امتلأت بها الشاشات بدت متشابهة؛ أفراح، رقص، وضحكات، وملابس توحّد المشهد أكثر مما تفرقه.
المشهد ليس انتقالا من نموذج إلى آخر، أو تقليدا من مدينة لأخرى، فبغداد لا تقلد الأنبار، والأنبار لا تقلد بغداد، لكل منهما سياقه، وتاريخه ووعيه الخاص بنفسه. لكن ما يحدث في لحظات الفرح الجماعي يتجاوز هذه الفروق، كأن العراقي حين يفرح يعود إلى نقطة أصلية مشتركة، إلى صورة أولى لا تحتاج إلى تعريف.
في تلك اللحظات تختفي الفوارق الدقيقة بين المدينة والبادية، بين الحداثة والتقليد، يصبح اللباس أياً كان شكله، وسيلة للقول إن هذا الفرح ليس فردياً، بل جماعي، وإن الهوية مهما تعددت أشكالها، يمكن أن تتوحد فجأة، دون اتفاق مسبق، ومازالوا يشبهون بعضهم حين قرروا ان يفرحوا.