الديرة - الرمادي
شراكة الوجع العراقي.. من المأساة إلى النسيان
رد فعلِ شبابِ الأنبار تجاه من سقطوا بالقصف اليوم وأمس وقبله، هو تعبير صادق عن ذاكرةٍ مثقلة بالتجربة، ووعي تَشكَّل تحت ضغط الخسارات المتكررة، إنهم لا يتضامنون بوصفهم شهوداً من بعيد، بل بوصفهم مروا بالطريق ذاته قبل 2015 وذاقوا مرارة أن تُقدم التضحيات ثم تُترك بلا معنى.
هؤلاء الشباب لا ينظرون إلى الضحايا من موقع المتفرج، بل من موقع الشريك في الألم، لأنهم يعرفون أكثر من غيرهم، كيف يمكن للدم أن يتحول إلى مادة للاستهلاك، وكيف تُختزل المأساة في خطاب عاطفي يُراد منه شيء، بينما الحقيقة تذهب في اتجاه آخر تماماً، ولذلك فإن تضامنهم لم يكن موقفاً سياسياً، بل موقفاً إنسانياً عميقاً، مشبعاً بتجربة لا تحتاج إلى شرح
أن ابن الجنوب وابن الغربية لم يكونا يوماً في معادلةِ عداء حقيقية، وهذه الفكرة لم تولد من الأرض، بل صُنعت في غرف ضيقة بمناطق راقية، حيث تُدار الاختلافات كأدوات، ويُعاد تشكيلها بثمن بخس يدفعه الناس من دمهم واستقرارهم ومستقبلهم.
إن العدو الحقيقي ليس ذاك الذي يختلف معك في اللهجة أو العادات أو الموقع، بل ذاك الذي يُتقن صناعة هذا الاختلاف، ويُحسن استثماره ويُعيد إنتاجه كلما خفتت نيرانه، هو من يحول الألم إلى وسيلة، والتضحية إلى خطاب، والدم إلى مادة للاستدرار لا للتغيير..
ولعل أكثر ما يلفت النظر، أن الدم العراقي حين يُراق، يمتلك قدرة عجيبة على إسقاط كل هذه الحواجز المصطنعة، في لحظة الفقد تختفي الخرائط وتتلاشى المسميات، ويعود الناس إلى حقيقتهم الأولى، شعب واحد، يجمعه وجع واحد ومصير واحد..
لكن المأساة لا تكمن في لحظة التوحد هذه، بل في ما يليها، حين تعود اللغة القديمة في البرامج والبيجات والخطابات، ويُعاد رسم الخطوط التي مُحيت بالدم قبل ساعات، وهنا يُطرح السؤال الأكبر، إلى متى يبقى العراقيون أسرى دورة تبدأ بالمأساة وتنتهي بالنسيان؟
إن ما جرى ويجري هو اختبار لوعي مجتمع كامل، فإما أن يُدرك أن وحدته ليست خياراً أخلاقياً فقط بل ضرورة وجودية، أو يترك المجال لمن يُديرون الانقسام كسياسة، ويحولون كل تضحية إلى حلقة جديدة في مسلسل لا ينتهي.