آخر الأخبار


بثمن باهض.. تعلمنا في الأنبار أن الحياد ليس ضعفا

  • A+
  • A-

 الديرة - الرمادي


هناك سؤال يُطرح اليوم: ماذا يريد البعض من الأنبار، وهي الخارجة منذ فترة من رماد سنوات أثقل من أن تُروى في سطور؟

لقد بدا لافتًا أن أصواتاً من داخل المعسكر المؤيد للحرب ومن بين محلليه، راحت تُحمل الموقف السني وتحديداً الأنبار ما لا يحتمله واقعٌ ولا يبرره تاريخ قريب، يطلبون اصطفافاً واضحاً في حرب لم تعلنها الدولة، ويتوقعون موقفاً حاداً من مجتمع لم يلتقط أنفاسه بعد.

لكن الحقيقة التي يغفل عنها كثيرون أو يتغافلون، أن الدولة العراقية بمؤسساتها الرسمية، وبقيادتها العسكرية والسياسية لم تدخل هذه الحرب.. لقد اختارت موقعاً أقرب إلى الوقوف على حد السكين: لا انخراط مباشر ولا إعلان ولاء لمحور ضد آخر. وهو خيار لم يكن وليد رغبة مجردة، بل نتاج حسابات معقدة، في مقدمتها وضع اقتصادي هش وأزمة نفطية تلوح في الأفق، وبلد بالكاد يحافظ على توازنه الداخلي.

ورغم هذا المسار الحذر لم يُعفَ العراق من أن يكون ساحة مفتوحة، صار من حيث لا يريد، ممراً للنيران، صواريخ أمريكية تعبر أجواءه، ومسيرات إيرانية تجد في سمائه طريقاً، وتحول إلى جسر محترق لا يملك ترف إغلاقه ولا قدرة النجاة منه.

في هذا السياق تبدو الأنبار حالة خاصة، لا يمكن قراءتها بمعزل عن ذاكرتها القريبة، هذه المحافظة التي عاشت فصولًا قاسية من العنف كانت كفيلة بأن تعيد تشكيل وعيها الجمعي.

لم تخرج الأنبار من تلك التجربة كما دخلتها، ما زالت آثارها قائمة ليس في البنى التحتية فحسب، بل في النفوس، في الحذر ،في الصمت الذي بات لغة بحد ذاته.

لذلك فإن مطالبة أهل الأنبار بمواقف صاخبة، أو اصطفافات حادة، تبدو في أحسن توصيف افتقاراً لفهم طبيعة ما مروا به هم حتى هذه اللحظة، اهل الأنبار بسبب تجربة الحرب السابقة لا يفضلون التعليق لا في المجالس ولا حتى على منصات التواصل الاجتماعي، لأنهم يدركون أن الكلمة قد تجر ما لا يُحتمل.

الأنبار ببساطة شبعت من الحروب ، ليس تعبيراً إنشائياً، بل خلاصة تجربة مريرة، دفعت فيها أثماناً باهظة، مدن مهدمة عائلات مشتتة وذاكرة مثقلة بالخسارات، ومع ذلك لم تخرج عن إطار الدولة، بل تمسكت بها وأعلنت بصمت أكثر منه بضجيج ولاءها للمؤسسة الرسمية.

الأنبار اليوم لا تبحث عن أدوار أكبر من حجمها، ولا تتقن لعبة المحاور ، اختيارها واضح، قرار الدولة، لا قرار الآخرين، وربما في هذا الاختيار، شيء من الحكمة التي تولد من الألم.

ورغم ابتعادها عن خطوط الاشتباك لم تسلم الأنبار من ارتدادات الحرب الحالية، تُقصف بعض مناطقها في مشهد يعيد إلى الذاكرة ما حاولت نسيانه.

الأنبار ليست في موقع المتخاذل، كما يصورها البعض، ولا في موقع المتآمر كما يُلمح آخرون، بل في موقع من تعلم بثمن باهظ، أن الحياد أحياناً ليس ضعفاً، بل آخر ما تبقى من الحكمة.