آخر الأخبار


عن القاضي الذي يوزع الخير بالعدل

  • A+
  • A-

 الديرة - الرمادي


يقول الخطيب على بن الحسين الهاشمي النجفي، في كتابه "تاريخ الأنبار": في قلب الأنبار حيث التقى نهر الفرات بالصحراء الشاسعة في لقاء درامي قديم كلقاء الإنسان بالطبيعة، وقفت نواعير هيت شامخة، لا كآلات ري عادية بل كشهود على عبقرية أجدادنا التي سبقت الآلات البخارية والكهرباء بآلاف السنين، هنا في مدينة هيت التي وصفها ابن بطوطة بأنها (أحسن البلاد وأخصبها) تدور هذه العجلات الخشبية العملاقة ببطء مهيب، كأنها تروي للنهر قصة الزمن نفسه.

تخيّل المشهد دائرة قطرها عشرة أمتار، مصنوعة من خشب شجرة التوت الذي يتحدى الرطوبة والسنين، تتدلى من أضلاعها نحو ثلاثين عوداً، وترتبط بها أوان فخارية كأنها أيدي عاملة لا تكل، يدفع تيار الفرات العنيد هذه العجلة فتدور، وكلما ارتفعت الأواني الممتلئة بالماء إلى الأعلى، صبت محتواها في ساقية علوية تنحدر تدريجياً لتروي البساتين والحقول والمدينة، النواعير اول نظام هندسي متكامل، يجمع بين قوة النهر وذكاء الإنسان.

تعود أصول هذه النواعير إلى عصور سحيقة، ربما إلى العصر الأكدي حينما كان سرجون يوحد بلاد الرافدين، أو حتى أبعد من ذلك..

في هيت التي عرفت بينابيع القار منذ ما قبل التاريخ، تحولت هذه الآلات إلى رمز للاستمرارية. كانت نواعير هيت تروي أجمل البساتين، وترتبط أحياناً بطواحين مائية ضخمة تطحن الحبوب بقوة الدوران نفسه، كان الفلاح الفراتي يعرف (التسكير) ذلك الفن الدقيق في تعديل تدفق الماء ليحصل كل مزارع على حصته العادلة ، فكأن الناعور لم يكن مجرد عجلة، بل قاضياً يوزع الخير بعدل.

في الستينيات من القرن الماضي كانت نواعير هيت لا تزال تعج بالحياة، عشرات منها تدور على ضفاف الفرات، وأغاني العتابة البدوية تتغنى بها، والأطفال ينامون على صوت خرير الماء المتساقط من الأواني، أما بعد 2003 فقلّت المياه بسبب السدود واندثر معظمها ولم يبقَ سوى أقل من عشرين ناعوراً تدور بصمود أسطوري..

هيت هي أم النواعير وهي شاهد على حضارة رافدينية متصلة الحلقات، من السومريين الذين استخدموا القار الهيتي في بناء زقوراتهم، إلى المناذرة إلى صدر الإسلام حيث بنيت فيها إحدى أقدم المنارات في عهد عمر بن الخطاب، كل ذلك يلتقي في صوت الناعور الذي يدور، كأنه يقول للأجيال: الأرض لا تُروى بالكلام بل بالعمل الذي يفهم لغة النهر. 

اليوم.. ونحن نتحدث عن التنمية والسياحة والتراث، تقف نواعير هيت كدعوة صامتة ولكنها مدوية، لماذا لا نعيد إحياء هذا التراث؟ لماذا لا نضعه على قائمة اليونسكو كما يستحق، ونحوله إلى مركز جذب سياحي بيئي يروي للعالم قصة العبقرية العراقية؟ سيعلمون انها ليست مجرد عجلات خشبية، إنها فلسفة حياة، التوافق مع الطبيعة لا قهرها، والاستمرارية لا الانقطاع..

الأنبار، بصحرائها وفراتها ونواعيرها تملك كنوزاً كبيرة، والنواعير هي الدليل الأجمل على أن الإنسان العراقي كان ولا يزال، مهندساً للخير.