الديرة - الرمادي
سيف صلاح الهيتي
بعدَ أيّامٍ ماطرةٍ متتابعة، أفاقت مدينةُ هيت من غبارها كأنّ يدَ الغيم قد غسلت وجهها برفقٍ وأعادته نقيًّا كما تُغسَلُ المرايا قبل أن تُعلَّق في صدر الضوء.
بدت المدينةُ صباحَها الجديد كعروسٍ في ليلة زفافها؛ تلمعُ أطرافُها بندى السماء، وتنسابُ فوق جدرانها خيوطُ المطر كأنّها خصلاتُ عطرٍ بلّلها الفجر.
كانت الأزقّةُ تضحك… نعم، تضحك حقًّا؛
فالأرضُ التي طالما ابتلعت الغبارَ صامتةً أخذت اليوم تردّد خرير الماء في حناياها، كأنّها تُنشِد نشيدَ الامتنان.
والشوارعُ التي اعتادت ضجيج العابرين صارت تمشي بخطًى هادئة، كأنّها تخشى أن توقظَ هذا الجمال الطارئ قبل أن يكتمل.
على الأرصفةِ وقفَ المطرُ في بركٍ صغيرةٍ تشبه مرايا السماء،
تنظر فيها الغيوم إلى نفسها بإعجاب،
وترى فيها البيوتُ وجوهها وقد عادت إليها نضارةُ الطين الأول.
كانت رائحةُ الأرض ترتفعُ من التراب كأنّها بخورُ حنينٍ قديم؛
رائحةٌ يعرفها الفلّاحون جيّدًا،
ويحفظها الأطفالُ في ذاكرة اللعب حين يركضون فوق الطين الطريّ كأنهم يطاردون الفرح.
النخيلُ عند أطراف المدينة بدا كجنودٍ اغتسلوا لتوّهم من عناء الحراسة؛
أوراقه تلمع بندى الغيث،
وتميل مع النسيم في وقارٍ كأنّها تشكر السماء على هذا السخاء.
أمّا الفرات، القريب من قلب هيت،
فكان يجري اليوم بصوتٍ أكثر دفئًا،
كأنّ المطر ألقى في صدره رسالة محبّة من الغيم،
فراح يردّدها موجًا بعد موج.
حتى الجدران القديمة التي حفظت قصص السنين
بدت أخفّ لونًا وأصفى ملامح،
كأنّ المطر مسح عنها تعب الأعوام،
وأعاد إليها بعض شبابها.
وفي هذا الصباح…
لم تكن هيت مدينةً عاديّة،
بل كانت صفحةً طاهرة من كتاب الرحمة؛
كلُّ شيءٍ فيها يبتسم:
الطرق،
النوافذ،
الأشجار،
حتى الهواء نفسه كان يمشي بين البيوت كضيفٍ طيّب جاء يحمل بركة السماء.
هكذا تفعل رحمة الله حين تهطل؛
لا تغسل الأرض وحدها،
بل تغسل القلوب أيضًا،
وتعيد للمدن روحها التي خبّأها الغبار طويلًا.