الديرة - الرمادي
إذا أردتَ أن تعرف نظام بلد ما، انظر إلى أرصفته، هناك في التفاصيل الصامتة تُكتب الحقيقة دون زينة أو ادعاء.
حين يقبل الإنسان على استئجار بيت أو شرائه، يبدأ بالسؤال عن نظافة المنطقة قبل أي شيء آخر فالنظافة في جوهرها انعكاس مباشر للسمعة، بل هي مرآة الإدارة قبل أن تكون مرآة المكان، والبيت الفوضوي كما هو معروف لا يُدار بحكمة، فكيف إذا انتقلت هذه الفوضى إلى مستوى المسؤولية العامة؟
ثمّة حقيقة عن الأنبار قد تبدو للبعض أقرب إلى المبالغة، لكنها في واقع الأمر صورة من واقع قائم هناك، لم يكن التوقيع الأهم مجرد حبر على أوراق مشاريع أو بنى تحتية، بل كان توقيعاً يومياً يتجدد مع كل صباح تستيقظ فيه المدينة على شارعٍ نظيف ، وقد ارتبط هذا النهج باسم الرئيس محمد الحلبوسي، الذي لم يكتف بتوقيع المشاريع، بل جعل من النظافة سياسة يومية تُمارس على الأرض.
في الأنبار يمتزج صوت مركبات التنظيف مع تغريد الطيور، في مشهد يختصر فلسفة الإدارة قبل أن يختصر نتائجها، ولعل الملاحظة الأهم تكمن في سلوك الإنسان العراقي نفسه، إذ ما إن يغادر بلده إلى بيئة نظيفة، حتى يتبدل سلوكه تلقائياً فيمتنع عن رمي النفايات في الشارع، وكأنه يعترف ضمنياً بقدسية النظام حين يكون حاضراً، يقول في داخله: الشارع نظيف، فلنحترمه..
وهنا تتجلى معادلة دقيقة: فالمواطن حين يرى النظافة يتعلمها دون توجيه، وحين يرى الفوضى يألفها حتى في أدق دوائر حياته، وربما في بيته ذاته، ولهذا لم يكن غريباً أن يبقى ملف النظافة حاضراً بقوة لدى أعلى مستويات الإدارة في الأنبار بوصفه أولوية لا تقل شأناً عن مشاريع البناء، فالمهندس قبل أن يُصمم ويُشيد، يبحث عن أرض نظيفة يقيم عليها رؤيته. وهكذا لم تكن النظافة في الأنبار تفصيلًا ثانوياً، بل كانت البداية التي بُني عليها كل شيء، بداية مهندس اسمه الحلبوسي وجد ارضاً نظيفة تتسع لرؤيتها فتغير حال الأنبار.