الديرة - الرمادي
قبل عام 2017، عانت محافظة الأنبار من غياب الإجراءات الموحدة وضعف الرقابة الفعالة، ما أدى إلى ترسّخ روتين إداري ثقيل في معظم دوائرها. لم تكن هناك معايير واضحة يُحتكم إليها، فكل دائرة—من البلديات إلى المجاري، ومن الصحة إلى الأحوال المدنية والجوازات—كانت تعمل وفق إجراءات خاصة بمعزل عن منظومة موحّدة. ونتيجة لذلك، وجد المواطن نفسه عالقاً في مسارات متكررة بين النوافذ، فيما كانت مدة إنجاز معاملاته تمتد أحياناً إلى شهر كامل.
ولم تكن منظومة الشكاوى أفضل حالاً؛ إذ بدت أرقام الشكاوى مجرد واجهة شكلية تُستقبل فيها البلاغات لتُحفظ في الأرشيف دون متابعة ميدانية تُذكر. أما مراقبة الأداء وتطوير الدوائر، فكانا يُداران بروح إجرائية جامدة تفتقر إلى ضغط حقيقي نحو الإنجاز، في ظل عمل العديد من المدراء باستقلالية شبه تامة دون مساءلة واضحة أو تقييم فعلي.
في هذا السياق، جاءت مرحلة قيادة الرئيس محمد الحلبوسي لتُحدث تحولاً ملحوظاً في فلسفة الإدارة المحلية. فقد ركّز على إعادة الاعتبار للجانب الإداري في التعامل مع المعاملات والشكاوى، واضعاً هدف الانتقال من الجمود المكتبي إلى العمل الميداني والاستجابة السريعة.
تمثلت الخطوة الأولى في تعزيز التواصل المباشر مع المواطنين، وهو نهج واصل تبنّيه المحافظ السابق محمد نوري الدليمي، والمحافظ الحالي عمر مشعان الدبوس. فقد أُطلقت آليات اتصال مباشرة، وفُعّلت قنوات التنسيق مع الدوائر الحكومية، مما أسهم في تقليص الفجوة بين المواطن والمؤسسة. ولم يعد لقاء المواطنين—من شيوخ ووجهاء وأفراد—أمراً استثنائياً، بل أصبح ممارسة يومية تهدف إلى الاستماع إلى مشكلاتهم وتذليل العقبات التي تواجههم.
كما جرى تشجيع الجولات الميدانية المنتظمة، سواء من قبل المحافظ أو مدراء الدوائر، لتتحول إلى ركيزة أساسية في العمل الإداري، تتقدم على البقاء خلف المكاتب. وقد انعكس ذلك بشكل مباشر على سرعة الاستجابة لشكاوى الخدمات اليومية، من المياه والكهرباء إلى الصرف الصحي والتعليم.
ولم يقتصر الأثر على تحسين الخدمات الآنية، بل امتد ليشمل تسريع إنجاز معاملات حيوية، مثل ملفات التعويضات وعودة المواطنين إلى المناطق المحررة، خصوصاً ما يتعلق بقضايا النازحين وإجراءات إعادة الإعمار المرتبطة بالجوانب الإدارية.
إن شعور المواطن بأن شكواه تُؤخذ على محمل الجد، وأن معاملته تُنجز دون مماطلة، يعكس تحولاً حقيقياً في الأداء الإداري. وهذا التحول، في وعي المواطن، قد يفوق في قيمته العديد من المشاريع العمرانية. فالإدارة في جوهرها ليست استعراضاً للإنجاز ولا سعياً وراء الإشادة، بل هي ممارسة يومية هدفها الأول خدمة المواطن، بحيث لا يشعر—عند دخوله أي دائرة حكومية—أنه غريب في وطنه.