الديرة - الرمادي
في أعقاب القصف الأمريكي الأخير على مواقع في محافظة الأنبار، والذي أسفر عن شهداء وجرحى، لم يكن الحدث مجرد عملية عسكرية، بل كان اختباراً حقيقياً وبليغاً لبنية الوعي العراقي ومتانة النسيج الوطني.
برزت في تلك اللحظة حالة اجتماعية مريضة لا يمكن تجاهلها؛ فئة ليست بالقليلة كانت تروّج، بل وتجزم أحياناً، بأن الأنبار إذا تعرض العراق لأي قصف أو تهديد خارجي، فإنها ستصطف مع “العدو” أو على الأقل ستقف موقف المتفرج الراضي. وبعضهم ذهب أبعد من ذلك، متخيلاً أن أبناء المحافظة سيشعرون بالسعادة أو الارتياح لما يحدث. هذا التصور المريب لم يكن وليد اللحظة، بل تراكم عبر سنوات من خطاب مشحون بالشك والتخوين، ونظريات مؤامرة وُظفت لتعميق الانقسامات الداخلية.
غير أن ما حدث على الأرض قدم رواية مغايرة تماماً، وكان أبلغ رد على كل تلك السرديات.
فما إن وقعت الضربات حتى اندفع شباب الأنبار، دون توجيه أو انتظار، نحو مواقع الثكنات المستهدفة. لم يحملوا سوى إحساس فطري بالانتماء والمسؤولية تجاه إخوتهم العراقيين. هرعوا لإنقاذ الجرحى والتبرع بالدم، حتى اختلط دم أبناء الأنبار بدماء الآخرين في مشهد إنساني صادق لا يقبل التأويل ولا يترك مجالاً للمزايدة. كان ذلك كافياً ليحدث صدمة حقيقية لدى كل من بنى تصوراته على الشك والتخوين المسبق.
هذه اللحظة لم تكن إنسانية فحسب، بل كانت كاشفة.
كشفت هشاشة السرديات التي حاولت طويلاً عزل الأنبار عن الجسد العراقي، وأثبتت أن ما يُبنى على الشك والافتراضات المسبقة لا يصمد أمام فعل صادق وبسيط.
الأنبار ليست “الآخر” في الوعي العراقي، بل هي جزء أصيل منه، ينبض بالانتماء والتضحية كلما دعت الحاجة. في زمن الفتن والسرديات المغرضة، يظل دم الشباب الأنباري الذي اختلط بدماء إخوانه أقوى دليل على أن الوحدة الوطنية ليست شعاراً، بل هي واقع يُكتب بالفعل لا بالكلام. من يريد أن يفهم العراق حقاً، فلينظر إلى هذا المشهد، وليصمت كل خطاب يغذي الفرقة.