الديرة - الرمادي
بعد انتخاب مجلس النواب رئيسَ الجمهورية الجديد، دخل العراق مرحلة دستورية جديدة يُفترض أن تقود، خلال مدة لا تتجاوز خمسة عشر يوماً، إلى تكليف رئيسٍ لمجلس الوزراء. فالدولة لا تُدار بمنطق الانتظار المفتوح، ولا يمكن أن تبقى مؤسساتها معلّقة كلما تعثرت التفاهمات السياسية.
في هذا السياق، لا تبدو رغبةُ الرئيس الحلبوسي وتحالف “تقدم” في تسريع انتخاب رئيس الجمهورية محاولةً لكسر طرفٍ سياسي بعينه أو لإحراج طرفٍ آخر، بقدر ما تعكس توجهاً نحو فكّ عقدةٍ تكررت مراراً: تأجيل تشكيل الحكومات، وما يترتب عليه من تعطيل للقرار، وتجميد للمشاريع، وإرباك للموازنة، وترك المواطنين في مواجهة أعباء معيشية متفاقمة.
فالسياسة، حين تُدار بعقل دولة، لا تنشغل أولاً بسؤال: من ربح؟ بل تنشغل بسؤال أكثر إلحاحاً: ماذا تأخر؟ ومن يدفع الثمن؟
وهذا الثمن ليس مجرد تقدير نظري. فالمواطن الذي ينتظر خدمات أساسية كالكهرباء والماء، ويبحث عن فرصة عمل، ويحتاج إلى دخل مستقر، لا تعنيه كثيراً حدة الخطابات داخل البرلمان، بقدر ما يعنيه أن يرى مؤسسات الدولة تعمل بانتظام. أما تحويل كل استحقاق دستوري إلى معركة كسر إرادات، فهو أقصر الطرق نحو شلل سياسي مزمن، يعيد إنتاج الأزمات نفسها مع كل دورة انتخابية، وكأن التجربة لم تُراكم دروسها بعد.
إن الفراغ لا يصنع توازناً، بل يوسّع دائرة التعطيل. وهذه هي معضلة اللحظة الراهنة: بلد مثقل اقتصادياً وسياسياً، لا يملك ترف التأجيل.
من جهة أخرى، فإن موقع رئاسة الجمهورية في النظام السياسي العراقي ليس ساحةً للصراع اليومي بقدر ما هو جزء من آلية دستورية تفتح الطريق أمام تشكيل الحكومة. لذلك، فإن التعجيل في حسم هذا الاستحقاق يمكن فهمه بوصفه إشارة إلى رغبةٍ في الانتقال من مرحلة تبادل الرسائل بين القوى السياسية إلى مرحلة إدارة الدولة فعلياً.
والفرق بين المرحلتين جوهري: الأولى تُغذّي الخصومات، أما الثانية فتُنتج سياسات، ومشاريع، وخدمات، وموازنات، وتدفع بعجلة الاقتصاد نحو الحركة.
يبقى السؤال الأهم: هل سيستمر المشهد ذاته في كل دورة انتخابية، حيث يتكرر التعطيل ثم يُطلب من المواطنين تحمّل نتائجه؟ أم أن هناك فرصة حقيقية لكسر هذه الحلقة؟
العراق اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الخطابات، بقدر ما يحتاج إلى قرار سياسي واضح ينهي منطق التأجيل ويفتح أفق العمل. فالدولة قد تُعذر إن تأخرت مرة، لكنها تفقد مبرراتها حين يتحول التأخير إلى نمط دائم.
من هنا، فإن التعجيل في انتخاب رئيس الجمهورية لا يُقرأ بوصفه انتصاراً لطرف على آخر، ولا غلبة لمكون على حساب غيره، بل بوصفه محاولة لإعادة السياسة إلى وظيفتها الأساسية: إنهاء التعطيل، وبدء البناء، ومنح المواطنين حقهم الطبيعي في دولة تعمل.