الديرة - الرمادي
تتحول شعيرة الحج سنوياً إلى ساحة للجدل والاتهامات في العراق، إذ تكشف شهادات المواطنين وتصريحات المحللين والحراك البرلماني عن منظومة فساد ممنهجة تنخر في آلية توزيع مقاعد الحج، فيما تتمسك الهيئة العليا للحج والعمرة بخطابها الرسمي القائل بالشفافية والعدالة، بينما يتقدم آلاف العراقيين للتسجيل عاماً بعد عام دون أن تسعفهم القرعة التي تجرى مرة كل ثلاث سنوات.
قرعة بلا شفافية
تعتمد الهيئة العليا للحج والعمرة في توزيع المقاعد على نظام قرعة إلكتروني، يفترض أن يكفل العدالة بين المسجلين مع منح الأولوية لكبار السن، غير أن هذا النظام يواجه انتقادات واسعة من مواطنين ومحامين وسياسيين يؤكدون أنه يفتقر إلى الشفافية الحقيقية ويخضع لتدخلات خارجة عن معايير الاستحقاق.
المحامي مصطفى السلطان كشف عن ما وصفه بـ"حصص ثابتة" توزع على المسؤولين خارج إطار القرعة، إذ يحصل كل مدير عام على عشرة مقاعد سنوياً، وكل ضابط برتبة لواء على ثلاثة مقاعد، فضلاً عن حصص مماثلة للوزراء وكل من يشغل منصباً رفيعاً.
ويتساءل السلطان بمرارة عن مصير "المواطن الفقير الذي يتقدم كل سنة ولا يُختار".
وتتقاطع هذه الشهادة مع تعليقات عراقيين على منصات التواصل الاجتماعي، ومنهم "أبو خلدون الحياني" الذي أفاد بأنه يتقدم للحج في كل دورة ويدفع رسم التسجيل البالغ 25 ألف دينار، لكنه تجاوز السبعين من عمره دون أن يتمكن من أداء الفريضة بسبب المحسوبية، مستنكراً أن يحظى بالمقاعد من ولدوا بين عامي 2004 و2007.
كما أكد "محمد مظهر" أن حصة العراق تبلغ قرابة ٤٠ ألف مقعد، لا يوزع منها على عموم المواطنين سوى عدد بسيط، في حين تذهب آلاف المقاعد للهدايا والمجاملات.
تأشيرات المجاملة
يكشف المحلل السياسي أثير الدوري عن البعد الأعمق لهذه الأزمة، مؤكداً أن "تأشيرات المجاملة" باتت أداة سياسية بامتياز، تمنحها الهيئة للمسؤولين العراقيين الذين يوزعونها بدورهم على القادة القبليين والزعماء الدينيين في إطار من التسويق الانتخابي والاستثمار في الولاءات.
ورصد تلفزيون "الديرة" من خلال شكاوى مواطنين وتعليقات غاضبة تملأ منصات التواصل الاجتماعي، المواطنة سناء الزهيري وصفت ببلاغة مؤلمة كيف تخرج أسماء بعض المسجلين "بدون قرعة"، إذ يتلقى أصحابها اتصالات تبشرهم بقبولهم قبل أي إعلان رسمي، في حين يظل غيرهم يدورون في فلك الانتظار سنوات وعقوداً. وذهبت المواطنة شذى العبيدي إلى أبعد من ذلك حين أكدت أن الحج بات "علاوي الحلة"، حكراً على جماعة الأحزاب والكتل والبرلمانيين وذويهم، الذين يذهبون ليغسلوا ذنوباً لا تغتفر على حساب حق العراقيين الفقراء.
وتتضافر هذه الشهادات مع تعليقات رصدها تلفزيون "الديرة" تكشف حجم الغضب الشعبي المتراكم، فبينما يصف بعضهم الهيئة ساخرين بـ"هيئة المجاملات، يؤكد آخرون أن حصة العراق البالغة بالآلاف لا يصل منها إلى عامة المواطنين منها سوى النزر اليسير.
البرلمان يتحرك
في خضم هذا الجدل، تصاعد الحراك البرلماني ضد الهيئة العليا للحج والعمرة، وكان في طليعته النائبان أحمد الجابري وعادل خميس المحلاوي.
النائب المحلاوي نشر عبر حسابه على منصة إكس تحذيراً صريحاً من "مغبة التهاون" في ملف توزيع مقاعد الحج، مؤكداً أن الهيئة "باتت محتكرة على مكون دون غيره، وأن ما يجري يستدعي مراجعة شاملة لجميع مفاصل الهيئة وإدارتها وفق مبدأ الشراكة الوطنية، رافضاً الانتقائية في التعامل مع المكونات العراقية".
أما النائب أحمد الجابري فأكد رفضه القاطع لممارسات هيئة الحج والعمرة، مشيراً إلى "غياب التوازن المكوناتي وما يثار من ملاحظات حول توزيع المقاعد بصورة غير منصفة"، داعياً إلى "وقفة جادة لإعادة تقييم الأداء وتصحيح المسارات، وإدارة هذا الملف وفق أسس مهنية بعيداً عن الانتقائية".
وتعكس هذه التصريحات البرلمانية حجم الاحتقان الشعبي الذي يتجلى في تعليقات المواطنين على الفضاء الرقمي والعام، من قبيل وصف الهيئة بـ"هيئة المجاملات"، والإشارة إلى أن مقاعد الحج توزع على "جماعة الأحزاب والكتل والبرلمانيين وحاشيتهم" بدلاً من المواطنين الذين ينتظرون لعقود.