الديرة - الرمادي
في زمن السرعة الطاغية، حيث يُقّدم الذكاء الاصطناعي المعلومة جاهزة بلا عناء، أصيب العقل العراقي بشيء يشبه التعطيل النقدي؛ خفّ وهج الاجتهاد الشخصي، وتراجع ذلك الاشتباك العميق مع النص، الذي كانت تصنعه القراءة الورقية في الكتب والجرائد.
ليس الأمر تقنياً فحسب، بل نفسي أيضاً. فأن تمسك كتاباً بيدك، أن تشعر بثقله، أن تقلّب صفحاته ببطء، يختلف تمامًا عن تمرير إصبع على شاشة باردة. لذلك نسمع كثيرين يقولون: نحب القراءة، لكننا لا نكمل كتاباً، وهذه ليست مفارقة بريئة، بل أثر واضح لإدمان الهاتف وتنبيهاته المتلاحقة، التي لم تسرق الوقت فقط، بل سلبت القدرة على التركيز، وجعلت القرار هشاً، قابلاً للتشتيت في كل لحظة.
نستعيد ذاكرة من عاشوا الثمانينات والتسعينات، حين كانت الجريدة هي موبايلنا الوحيد، نافذتنا اليومية إلى العالم. في صفحاتها الأدبية والسياسية والرياضية، كان القارئ يجد غذاءً متنوعاً لعقله، معرفة مكثفة ومختصرة، لكنها عميقة بما يكفي لتشكّل وعياً متماسكاً ونظرةً متعددة الأبعاد.
بعد عام 2003، انحسر حضور الكتاب والجريدة في العراق إلى حدّ كبير، وكأنهما أُزيحا جانباً في زحام الفوضى والتكنولوجيا. ومع ذلك، تبرز بين الحين والآخر مبادرات تستحق التوقف. ففي الأنبار، أطلقت نقابة الصحفيين مبادرة لافتة، بافتتاح ركن صحفي في مركز مدينة الرمادي، لتوزيع الجرائد على المواطنين والقراء: خطوة تقول بوضوح إن إحياء القراءة الورقية ليس ترفاً، بل ضرورة.
لكن الحقيقة الموجعة تبقى: الحياء لا ينفع من لم يُغذّ عقله يوماً.
فالجريدة ليست مجرد ورق يُقرأ ثم يُرمى، بل هي تراث للفكر، ومرآةٌ لزمن بأكمله، قبل أن تكون وسيلة.