آخر الأخبار


يفتشون في الصدور ويغفلون عن الثغور

  • A+
  • A-

 الديرة - الرمادي


في المدن التي تعيش فوق طبقات من الشك، لا تأتي المفارقات على شكل صدمة مفردة، بل على هيئة أسئلة تمشي في الشوارع بلا إجابة.

قبل مدة، راعي أغنام في صحراء النجف استطاع، وحده، أن يكشف موقعاً إسرائيلياً سرياً. راع يسير بين الرمل والعطش وهو يكتب لحظاته الأخيرة بعين التقطت ما عجزت عنه أجهزة تملك الرادارات والكاميرات والأرتال المسلحة. انتشرت الرواية سريعاً، وجرى تقديمها بوصفها انتصاراً للفطرة الوطنية على تعقيد المؤسسات، حتى بدا وكأن الصحراء نفسها أصبحت أكثر يقظة من المدن المحصنة.

لكن السؤال الذي بقي معلقاً في الهواء، ولم يجرؤ كثيرون على الاقتراب منه، هو: ماذا سنقول حين يظهر اليوم أكثر من صحفي إسرائيلي داخل بغداد نفسها؟ ليس في تخوم الصحراء، ولا في فراغ الحدود، بل في قلب العاصمة التي تزدحم بالحواجز والنقاط الأمنية والشعارات المرتفعة حتى السماء.

في البداية ظهر مقطع لرجل إسرائيلي يتجول في بغداد القديمة، يمشي بين الأزقة كما لو أنّه سائح عادي يبحث عن ذاكرة مدينة شرقية. ثم بدأت المقاطع تتوالى، سيارات تجوب الشوارع، كاميرات توثق الحياة اليومية، ولهجات عبرية تتسلل من خلف العدسات، فيما بغداد، بكل ثقلها الأمني والسياسي، تبدو كأنها لا ترى شيئاً.

ولأن السياسة ليست فن الإنكار بل فن الأسئلة، فإن القضية هنا لا تتعلق بكيفية الدخول. فذلك أمر مفهوم في عالم الجنسيات المزدوجة، والجوازات الأجنبية، والمطارات المفتوحة على احتمالات كثيرة. هذه مسؤولية الدولة وأجهزتها وحدودها وإجراءاتها، وهي مطالبة بأن تفسر للناس كيف يدخل من تعتبره البلاد عدواً ويتحرك بهذه السهولة.

لكنّ الحكاية الأعمق ليست هنا، الحكاية تتعلق بذلك الخطاب الصاخب الذي ملأ الشاشات سنوات طويلة، خطاب التخوين والمقاومة والعمالة والتبعية. ذلك الخطاب الذي كان سريعاً في توجيه أصابع الاتهام إلى أبناء البلد أنفسهم، إلى كاتب قال رأياً، أو شاب نشر منشوراً، أو ناشط رفع سؤالاً مختلفاً. فجأة يصبح العراقي مشبوهاً لمجرد اختلافه، بينما تمّر الوقائع الثقيلة بصمت غريب حين يتعلق الأمر بمن صُنّفوا دائماً كأعداء في الخطب والهتافات.

وهنا تظهر المفارقة العراقية بأوضح صورها: بلد تُفتش فيه نوايا الناس أكثر مما تُفتش حدوده.

كان يمكن بل من الواجب، أن تتحول هذه الوقائع إلى قضية رأي عام حقيقية. كان يفترض بمن يتحدثون ليل نهار عن السيادة والمواجهة أن يسألوا بوضوح: كيف يحدث هذا؟ أين الخلل؟ ولماذا يصبح الحضور الإسرائيلي داخل بغداد مجرد مادة على مواقع التواصل، بينما تتحول خلافات الداخل إلى معارك تخوين لا تنتهي؟

إنّ أخطر ما يصيب الدول ليس اختراق الحدود وحده، بل اختلال البوصلة. حين يصبح تعريف العدو خاضعاً للمزاج السياسي، وتصبح الوطنية مجرد أداة للاستخدام الداخلي، تفقد الشعارات معناها، ويتحوّل الخطاب إلى مسرح طويل يصفق فيه الجميع بينما تتسلل الحقائق من الأبواب الخلفية.