الديرة - الرمادي
عند أحد الجسور القريبة من مركز شرطة في كربلاء، تقف مجموعة من المراهقين. ليس في المشهد ما يبدو استثنائياً للوهلة الأولى، سوى أنهم يمارسون سلوكاً بات مألوفاً: بثّ مباشر، تهديد، وإهانة لكل من يمرّ أمامهم دون أي رادع فعلي.
لكن ما يستوقف في هذه الواقعة ليس الفعل وحده، بل تفصيل صغير في ظاهره، بالغ الدلالة في جوهره: شاب يرتدي دشداشة زرقاء يمرّ من أمامهم. لا يتوقف، لا يرد، ولا يدخل في مواجهة. يتعرض للإهانة أولاً، ثم للضرب، ثم يواصل طريقه وكأن شيئاً لم يكن.
هذا الشاب، الذي اختار الصمت ومتابعة السير، لا يفعل ذلك جهلاً أو عجزاً بقدر ما يعكس إدراكاً متراكماً لدى جيل كامل: أن لحظة اللجوء إلى القانون لم تعد تضمن استجابة، وأن فكرة الردع لم تعد حاضرة كما يفترض لها أن تكون في أي دولة تحترم نفسها.
في الخلفية، تتشكل معادلة أكثر خطورة من الحدث نفسه. فهؤلاء لا يتحركون بوصفهم حالة فردية معزولة، بل كجزء من مشهد أوسع، حيث تتآكل فكرة الدولة تدريجياً أمام سلوكيات لا تعترف بها، ولا ترى فيها مرجعية ضابطة أو سلطة عليا.
ولهذا لا يبدو غريباً أن تتكرر النماذج ذاتها، بأشكال مختلفة، في أكثر من مكان. فهي ليست محصورة في المراهقين وحدهم، بل تمتد إلى فضاءات الإعلام، وإلى داخل العديد من المؤسسات التنفيذية والتشريعية، حيث تتداخل الأدوار وتضعف الحدود الفاصلة بين القوة والفوضى
وحين يخاف المواطن من المارة أكثر من خوفه من القانون، فاعلم أن القانون لم يعد غائباً، بل تم استبداله.