آخر الأخبار


قراءة في ارتباك الولاءات العابرة للحدود

  • A+
  • A-

 الديرة - الرمادي 


في مقاطع كثيرة تنتشر على منصات التواصل الاجتماعي، يُسأل بعض صُناع المحتوى وبعض المعممين عن خيار افتراضي بين الدفاع عن العراق وإيران، فيأتي الجواب عند عدد منهم حاسماً لصالح إيران، دون تردد أو مواربة.

المفارقة هنا ليست في الإجابة وحدها، بل في السياق الذي تصدر فيه: أشخاص وُلدوا على هذه الأرض، يعيشون في ظل مؤسساتها، ويتقاضون من مواردها، ويحملون جنسيتها، ثم يُسجّل في خطابهم نوع من التقديم الرمزي لبلد آخر على حسابها.

وهنا يبرز سؤال لا يمكن تجاوزه بسهولة: هل سبق أن رأينا إيرانياً أو بحرينياً او كويتياً أو مواطناً من أي دولة أخرى يُسأل السؤال نفسه، فيضع بلده في مرتبة أدنى من دولة أخرى بهذه السهولة التي نراها في بعض الخطابات العراقية؟ أم أن طرح مثل هذا السؤال نفسه لا يجد بيئة مناسبة إلا في دول تعيش ارتباكاً في مفهوم الدولة، وضعفاً في ترسيخ فكرة السيادة والهوية الجامعة؟

في التجربة السياسية للدول المستقرة، لا يُطرح الولاء الوطني بوصفه خياراً مفتوحاً للمقارنة، بل بوصفه مسلّمة تأسيسية. أما حين يتحول إلى سؤال في فضاء عام بلا مساءلة ولا ضوابط، فإن ذلك يعكس خللاً أعمق في بنية الدولة، وفي تعريف العلاقة بين المواطن والانتماء.

لا جدال في أن الانتماءات الدينية أو المذهبية قد تشكل عند البعض إطاراً مرجعياً في التفكير، لكن الانتقال من هذا الإطار إلى تقديم دولة أخرى سياسياً ومعنوياً على الدولة التي ينتمي إليها الفرد، يفتح باباً واسعاً لإعادة تعريف مفاهيم الولاء والالتزام والمسؤولية.

المسألة هنا ليست انفعالاً، بل ظاهرة تحتاج إلى قراءة أهدأ وأعمق: إلى أي مدى يمكن للمجتمع أن يستمر في التعايش مع خطابات تتجاوز فكرة الدولة نفسها، دون أن تضع حدوداً واضحة بين حرية الرأي من جهة، وبين تقويض فكرة الانتماء الوطني من جهة أخرى؟

المسألة ليست في رأي يُقال، بل في فكرة الدولة حين تصبح قابلة للمقارنة على الهواء. فالدولة التي لا تفرض بداهة الانتماء، تُترك سريعاً لتتحول إلى مجرد احتمال بين احتمالات أخرى.