آخر الأخبار


صوت أنباري في مجلس الوزراء

  • A+
  • A-

 الديرة - الرمادي


التهميش الذي عاشته الأنبار بعد عام ٢٠٠٣ كان خياراً سياسياً ممنهجاً، صيغ بعناية في غرف مغلقة بعيدة كل البعد عن صوت المحافظة وإرادة أبنائها. 

ولفهم حجم ما جرى، لا بد من العودة إلى البدايات، حين كانت الأنبار تقف على عتبة مرحلة جديدة مجهولة الملامح، وكان المطلوب منها أن تنخرط في منظومة سياسية لم تستشر في تصميمها ولم تشارك في وضع أسسها.

قرارات مركزية فردية، وممثلون أخفقوا في حمل هموم ناخبيهم، وحكومات تعاملت مع الأنبار كملف أمني لا كشريك في بناء الدولة، كل ذلك رسّخ صورة نمطية ظالمة لمحافظة كانت دائماً أكبر مما أريد لها أن تكون.

القرارات المركزية التي صدرت تباعاً عن الحكومات المتعاقبة كانت تحمل في طياتها رسالة ضمنية واضحة للأنباريين، مفادها أنهم أمام خيارين لا ثالث لهما، إما الانصياع لمعطيات المرحلة كما صاغها غيرهم، وإما البقاء على هامش المشهد السياسي والاقتصادي والخدمي. 

وقد دفع هذا النهج المحافظة تدريجياً نحو حالة من الاحتقان المتراكم الذي وجد في نهاية المطاف تعبيره الأشد خطورةً في أتون الأزمة الأمنية الكبرى.


فشل التمثيل السياسي

غير أن ثمة جانباً لا يقل خطورة عن السياسات المركزية المجحفة، وهو الدور الذي أداه ممثلو الأنبار السياسيون أنفسهم في تكريس حالة التهميش بدلاً من كسرها. فقد انخرط كثير من هؤلاء الممثلين في لعبة سياسية بعيداً عن هموم ناخبيهم، وأتقنوا فن الخطابة الانتخابية دون أن يتقنوا فن الإنجاز والمتابعة، كانوا حاضرين في المشهد بأجسادهم، غائبين عنه بضمائرهم وبرامجهم، يرفعون شعارات المظلومية في المنابر ويتناسونها في غرف المفاوضات.

هذا الفشل المزدوج، السياسات المركزية الجائرة من جهة، والتمثيل السياسي الفاشل من جهة أخرى، خلق معادلة شديدة الخطورة أفقدت الأنبار موقعها الطبيعي في المعادلة الوطنية، وأوجد لدى أبنائها شعوراً عميقاً بأنهم يعيشون في الدولة دون أن يكونوا جزءاً حقيقياً منها.

وبينما كانت هذه المعادلة المختلة تنتج مزيداً من التوتر والاحتقان، كانت المحافظة تسير نحو لحظة الحقيقة القاسية التي لم تترك مجالاً للمراوغة أو التأويل.



لحظة الحقيقة

جاء الإرهاب بكل ثقله ليضع الجميع أمام امتحان المصداقية الأقسى في تاريخ المحافظة الحديث، حين اكتسحت موجات التطرف المدن والقرى، وتحولت الرمادي والفلوجة وغيرها من عواصم العمران إلى ساحات خراب وخوف، انكشفت الصورة الحقيقية لكثير ممن كانوا يزايدون على تمثيل الأنبار، تخلوا عن أبنائها في أشد لحظاتها ظلاماً، وفروا إلى بر الأمان بينما كانت العائلات تحزم أمتعتها القليلة وتسلك طرق النزوح المرة.

تلك اللحظة، بكل ما فيها من مرارة وألم، كانت في الوقت ذاته لحظة تصفية الحسابات مع مرحلة بأكملها، ولحظة ميلاد إرادة سياسية جديدة أبت أن تتفرج وأصرت على الفعل، من بين أبناء الأنبار أنفسهم، ممن عاشوا الكارثة وشاركوا أهلهم وجعها دون أن ينكسروا، نبتت بذور مشروع سياسي مختلف في جوهره وأسلوبه وأهدافه.


الرئيس محمد الحلبوسي، كان في قلب اللحظة، وحين جاء دوره في قيادة المشهد السياسي أطلق قافلة من الرجال الذين اختبرتهم الأزمة فثبتوا، واختارتهم الضرورة فأجادوا.


نموذج الكفاءة والاستحقاق


في سياق هذا التحول السياسي الكبير، يبرز اسم محمد نوري الدليمي بوصفه أحد أبرز تجليات النموذج الجديد الذي تقدمه قافلة الرئيس الحلبوسي السياسية للمشهد العراقي. 

حين تسلم محافظة الأنبار كانت المحافظة لا تزال تلملم جراحها، وكانت مدنها تنتظر من يقرر بدلاً من من يعد، ومن يبني بدلاً من من يخطب، عمل الدليمي بمنهجية الإداري المحترف الذي يؤمن بأن الإنجاز أبلغ من أي خطاب، وأن الحجر الذي يُوضع في مكانه الصحيح يقول ما لا تقوله آلاف الكلمات. 

هذه التجربة الميدانية الموثقة هي التي تجعل من انتخابه وزيراً للصناعة قراراً يحمل دلالات تتجاوز توزيع المناصب الوزارية وفق معادلات الحصص التقليدية، فالدليمي يدخل الحقيبة الوزارية بسيرة عمل كبيرة، وبثقة مكتسبة من أهل الأنبار.

لكن اللافت والأهم هو وجود الصوت الانباري في مجلس الوزراء، ليسهم ويقرر ويؤثر في صياغة السياسات التي تحدد مسارات التنمية والاقتصاد والبنية التحتية.