الديرة - الرمادي
مع نهاية كل دورة حكومية في العراق منذ 2003، تتكرر المشاهد نفسها: تعليقات مشحونة بالغضب، لغة لا تخلو من الشتم، وشعور عام بأن المرحلة التي انتهت كانت في نظر كثيرين أقرب إلى العبء منها إلى الإنجاز. وكأن المزاج العراقي يراكم خيبة متكررة تتحول إلى حكم مسبق على كل تجربة جديدة.
اليوم يبرز سؤال مشروع: هل يدرك رئيس الوزراء الجديد طبيعة هذا الوعي الجمعي المتراكم، الذي لم يعد ينظر إلى الدورة السياسية بوصفها تداولاً للسلطة فحسب، بل اختباراً قاسياً لفكرة الدولة ذاتها. فالأربع سنوات المقبلة في ميزان هذا الإدراك الشعبي، ليست مجرد فترة حكم، بل امتحان مفتوح: إما أن يخرج صاحبها من الباب الضيق مثقلاً بإرث الإخفاق، أو أن يغادر من الباب الكبير الذي لا يُفتح إلا نادراً في التاريخ السياسي العراقي.
المسألة في جوهرها لم تعد خدمات يومية تُقاس بالكهرباء أو تحسين الطرق رغم أهميتها، بل تجاوزت ذلك إلى سؤال أعمق وأكثر قسوة: هل يمكن بناء دولة عادلة قبل أن تكون دولة خدمية؟ دولة تُعيد تعريف السيادة لا كشعار سياسي، بل كقدرة فعلية على اتخاذ القرار، وضبط الفوضى، وإخضاع الجميع لمنطق القانون لا منطق التوازنات المؤقتة.
العراقي في عمقه لا يطلب رفاهية بقدر ما يطلب استقراراً له معنى. سيادة الدولة في وعيه ليست مفهوماً تجريدياً، بل شرطاً أولياً لاقتصاد قابل للحياة، وتعليم غير مفكك، ومؤسسات لا تعمل تحت ضغط الاستثناء الدائم. إنها ببساطة النقطة التي تبدأ عندها الدولة بالتحول من فكرة إلى واقع.
ومن هنا تبدو المرحلة المقبلة بالنسبة لرئيس الوزراء، أقرب إلى فرصة استثنائية لم تتكرر في ظروف مشابهة: دعم دولي وإقليمي قائم، واصطفاف داخلي، وحاجة شعبية متراكمة لا تحتمل مزيداً من التأجيل. هذه الفرصة إما أن تُستثمر لتأسيس مسار مختلف، أو تضيع لتُضاف إلى سلسلة الفرص التي تحولت إلى سردية إحباط طويلة.
في النهاية لا يتعلق الأمر بأشخاص بقدر ما يتعلق بطبيعة اللحظة السياسية نفسها: لحظة تختصر سؤال الدولة في العراق، وتضع كل من يتصدر المشهد أمام اختبار بسيط في ظاهره: هل يمكن أخيراً أن تُبنى دولة تُشبه ما ينتظره العراقيون منذ زمن بعيد؟