آخر الأخبار


حقيقة العقوبات الأميركية على العراق

  • A+
  • A-

 الديرة - الرمادي


التصريح الأميركي الذي يطلب من المكلف بتشكيل الحكومة علي الزيدي إصدار بيان واضح ينفي فيه صفة الدولة عن الميليشيات، ليس مجرد طلب دبلوماسي، بل هو محاولة لإعادة رسم الحدود الرمزية للسلطة في العراق. فالولايات المتحدة، التي خبرت تعقيدات المشهد العراقي منذ 2003، تدرك أن المعركة لم تعد عسكرية بقدر ما هي معركة سرديات: من هي الدولة، ومن هو ظلها.

لكن السؤال الجوهري هنا لا يتعلق بما تريده واشنطن، بل بما يستطيع الزيدي أن يقوله، وما يمكنه أن يفعله. فالرجل إن اختار الوضوح، سيصطدم ببنية سياسية تراكمت عبر سنوات من التداخل بين الرسمي وغير الرسمي، بين القانوني والمسلّح، حتى باتت الدولة نفسها تعيش حالة ازدواج في تعريف ذاتها. وإن اختار الغموض، فإنه لن يفعل سوى إعادة إنتاج البيان العراقي التقليدي: لغة توفيقية تُدين الخارجين عن القانون، دون أن تُسميهم، وتدعو لحصر السلاح بيد الدولة دون أن تملك أدوات الحصر.

على هذا النحو، يصبح البيان أي بيان، فعلاً سياسياً محكوماً بثلاثة مستويات من الضغط:

أولاً، الضغط الخارجي، حيث ترى واشنطن أن استمرار هذا الالتباس يُقوّض فكرة الدولة التي استثمرت فيها طويلاً، ويمنح خصومها الإقليميين مساحة نفوذ لا يمكن ضبطها.

ثانياً، الضغط الداخلي، حيث تشكّلت قوى سياسية وعسكرية ترى في هذا الالتباس ذاته مصدر شرعيتها، بل وشرط بقائها.

ثالثاً، الضغط البنيوي، وهو الأعمق، حيث لم يعد ممكناً فصل الدولة عن اللا دولة بسهولة، لأن كليهما تشكّل في رحم تجربة واحدة، وتغذّى من تناقضاتها.

من هذا المنظور، فإن مطالبة الزيدي ببيان حاسم تشبه مطالبة رجل بإعادة رسم حدود بيته بينما لا تزال جدرانه متداخلة مع بيوت الجيران.

أما التلويح بالعزلة الاقتصادية أو العقوبات، فهو ليس جديداً في الأدبيات الأميركية. لكنه في الحالة العراقية يحمل مفارقة لافتة: فالعقوبات التي يُراد بها تقوية الدولة قد تؤدي عملياً إلى إضعافها أكثر، عبر تقليص قدرتها على المناورة الداخلية، وفتح المجال أمام قوى غير رسمية لملء الفراغ.

هنا تتجلى معضلة السياسة الأميركية: هل يمكن فرض وضوح سياسي في بيئة قامت أصلاً على الغموض؟ وهل يمكن تفكيك منظومة نفوذ متغلغلة عبر بيان رسمي، مهما بلغت دقته؟

الواقع أن واشنطن تعرف الجواب. لكنها، كما في تجارب سابقة، تستخدم البيان كأداة اختبار: اختبار لمدى استعداد النخبة العراقية لإعادة تعريف نفسها، واختبار لقدرة النظام على إنتاج لحظة سيادية ولو كانت لغوية.

أما الزيدي، فليس أمامه خيارٌ مثالي. إن كتب بياناً حاداً، فقد يفتح باب مواجهة لا يملك أدواتها. وإن كتب بياناً ضبابياً، فسيؤكد لواشنطن ما تعرفه مسبقاً: أن الدولة في العراق لا تزال مشروعاً غير مكتمل، وأن اللغة، مهما حاولت، لا تستطيع أن تحل محل القوة.

في تصورنا قد لا يكون السؤال: ماذا سيقول الزيدي؟

بل: هل ما زال في العراق من يستطيع أن يقول شيئاً ويُغيّر به الواقع؟