الديرة - الرمادي
د. ظافر العاني
لن تقبل إيران بالهزيمة، فذلك يتعارض مع الفلسفة التي قامت عليها الجمهورية الإسلامية منذ أن صاغ روح الله الخميني نظرية ولاية الفقيه. فهذه النظرية لا تنظر إلى العالم باعتباره ساحة مصالح متغيرة فحسب، بل باعتباره صراعاً وجودياً بين معسكرين: معسكر “المستكبرين” الذي تتزعمه الولايات المتحدة وتدور في فلكه دول تستمد أمنها من الحماية الأمريكية، ومعسكر “المستضعفين” الذي ترى إيران نفسها قائدته وحاملة رسالته “الإلهية”، وتتحرك ضمنه حركات ثورية وجماعات أقلوية — لا دول — تعتبر الدفاع عن هذه التجربة واجبًا عقائدياً يصل إلى حد الاستشهاد حفاظاً على بقاء النظام واستمرار المشروع.
ومن هذا المنطلق، فإن الهزيمة بالنسبة لإيران ليست مجرد خسارة سياسية أو عسكرية يمكن تجاوزها، بل انهيارٌ لفكرة تأسست عليها شرعيتها منذ الثورة. فالتراجع أمام “رأس الاستكبار” يعني، وفق منطقها العقائدي، سقوط الوعد الإلهي الذي قدمته لأتباعها، ويفقدها صورتها بوصفها مركزاً للمقاومة والصمود، وهو ما قد ينعكس مباشرة على تماسك محورها ونفوذها المعنوي في المنطقة.
لذلك، فإن من يعتقد أن إيران ستقبل بالشروط الأمريكية كما تُطرح علنًا، يتجاهل طبيعة النظام نفسه. وحتى إن دفعتها الظروف إلى تقديم تنازلات، فإنها ستكون تنازلات محسوبة بعناية، تُصاغ بطريقة لا تُظهرها في موقع المنهزم أو المستسلم، بل في صورة من يناور للحفاظ على مشروعه وتجنب الانكسار الرمزي. غير أن هذا النوع من التنازلات غالبًا لن يكون مقبولًا لدى واشنطن التي تسعى إلى تسوية تُكرّس تفوقها وتثبت خضوع خصمها لشروطها.
إيران اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الخروج بصورة المنتصر القادر على الحفاظ على روايته العقائدية، أو الانزلاق إلى مسار تدميري قد يصل إلى حد الانتحار السياسي والاستراتيجي كي لا تعترف بالهزيمة. وبين الخيارين، يبدو أن الاحتمال الأخير هو الأقرب، لأن النظام — بحكم تكوينه الفكري والأيديولوجي — قد يكون مستعداً لتحمل أثمان هائلة، وربما الذهاب إلى الإنتحار السياسي ، على أن يقبل بصورة الهزيمة أمام الولايات المتحدة.
……..