الديرة - الرمادي
نادراً ما تندلع الحروب الكبرى من فراغ، فهي في الغالب نتاج تراكمات استراتيجية طويلة تبلغ ذروتها في لحظة يصبح فيها الصراع أقل كلفة من الإبقاء على الوضع القائم.
الحرب الدائرة اليوم في المنطقة ليست استثناء من هذه القاعدة، بل هي ربما أوضح تجلياتها في العقود الأخيرة، فالسؤال الأجدر بالطرح ليس لماذا اندلعت الحرب؟ بل لماذا اندلعت في هذا التوقيت تحديداً؟ وما الذي تسعى القوى الكبرى إلى تحقيقه من ورائها؟
إيران الهدف المباشر
يربط التفسير السائد هذه الحرب بإيران مباشرة، ببرنامجها النووي وقدراتها الصاروخية ونفوذها الإقليمي المتمدد، غير أن الصورة الكاملة أكثر تعقيداً من ذلك بكثير، إذ تبدو المواجهة أقرب إلى مشروع لإعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط برمته.
فمن المنظور الإسرائيلي، تمثل إيران تهديداً استراتيجياً وجودياً يمتلك قاعدة صناعية وعسكرية وسكانية ضخمة، وشبكة نفوذ إقليمي تمتد عبر دول عدة، ولهذا يتجاوز الهدف الإسرائيلي في بعض أبعاده مجرد ضرب البرنامج النووي، ليصل إلى إضعاف الدولة الإيرانية نفسها وتقليص قدرتها على العودة قوةً إقليمية مهددة في المستقبل.
أربعة أبعاد
تتقاطع في هذه الحرب مصالح ورهانات متعددة الأبعاد لا يمكن اختزالها في بعد واحد.
البعد الأول يتعلق بإعادة رسم ميزان القوى الإقليمي، منذ سقوط العراق عام 2003 تشكل نظام إقليمي هش يقوم على توازن قلق بين إيران وتركيا وإسرائيل ودول الخليج.
الحرب الراهنة قد تكون محاولة لإخراج إيران من هذه المعادلة ضعيفة ومنهكة، فاتحةً المجال أمام نظام إقليمي جديد تتصدره إسرائيل عسكرياً واقتصادياً.
البعد الثاني يرتبط بالطاقة والجغرافيا الاستراتيجية. فمضيق هرمز والخليج العربي يمثلان أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، وإضعاف إيران عسكرياً يعني عملياً تأمين تدفق الطاقة العالمية تحت مظلة أمنية أمريكية، مما يعزز قدرة واشنطن على التحكم في أحد أهم مفاتيح الاقتصاد الدولي.
البعد الثالث يتصل بالتنافس الدولي بين القوى الكبرى، فتعزيز إيران علاقاتها مع روسيا والصين عسكرياً واقتصادياً جعلها في نظر بعض الدوائر الغربية جزءاً من محور يسعى إلى تقليص النفوذ الغربي في المنطقة، ومن ثم فإن إضعافها يعني أيضاً تقليص مساحة النفوذ الروسي والصيني.
البعد الرابع يتعلق بإعادة تموضع الهيمنة العسكرية الأمريكية، فرغم الحديث المتكرر عن تقليص الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، تبدو واشنطن اليوم في طور إعادة النظر في هذا التوجه، ليس فقط لضبط توازنات الشرق الأوسط، بل لإرسال رسائل ردع أوسع في منظومة النظام الدولي.
العراق بين التحدي والفرصة
يقع العراق في قلب هذه التحولات الكبرى، وهو بحكم موقعه الجغرافي وتشابك علاقاته مع إيران والخليج والولايات المتحدة، سيكون من أكثر الدول تأثراً بنتائج هذه الحرب.
وفي مثل هذه اللحظات الفارقة يغدو من الضروري أن تتبنى السياسة الخارجية العراقية مقاربة واقعية ترتكز على ثلاثة مبادئ: تحييد العراق عن الصراعات ومنع تحوّل أراضيه إلى ساحة مواجهة، والحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف القوى بما يجعل بغداد جسراً للتواصل لا ساحة للاشتباك، واستثمار التحولات الإقليمية لتعزيز دور العراق بوصفه دولة توازن قادرة على لعب دور سياسي واقتصادي محوري في النظام الإقليمي الناشئ.
في المحصلة، قد لا تكون هذه الحرب مجرد مواجهة عسكرية، وإنما خطوة في مسار أطول لإعادة رسم الشرق الأوسط من جديد.