آخر الأخبار


سماء العراق ساحة لتبادل البريد!

  • A+
  • A-

 الديرة - الرمادي


في خارطة تفاعلية نشرها موقع "فلايت رادار"، تظهر الطائرات المدنية وهي تملأ أجواء المنطقة وتزدحم بها السموات من حولنا، وكأنها شرايين تنبض بالحياة والاقتصاد والاستقرار، بينما تبدو السماء العراقية والإيرانية في تلك اللحظة رقعة جرداء، خالية تماماً من أي حركة طيران مدني، وكأنها بقعة خارج التاريخ والزمن الحاضر.

هذه الصورة لا تنقل مجرد لقطة رادارية عابرة، بل تلخص الواقع المرير لدولة تآكلت هيبتها بالتدريج؛ فالعراق الذي استبشر شعبه بعد عام 2003 بأن يكون مركز ثقل اقتصادي واستثماري في الشرق الأوسط، بات أقصى طموح مواطنيه اليوم أن تمر عليه ليلة واحدة دون أن تخترق أرضه أو سماؤه طائرة مسيرة أو صاروخ موجه.

المفارقة المضحكة المبكية تكمن في أحاديث "السيادة" التي تضج بها الشاشات والبرامج السياسية في بغداد؛ حيث يهتف المسؤولون والمحللون ليل نهار ضد التدخل الخارجي، بينما هم أنفسهم يترقبون خلف الكواليس قرارات عواصم المنطقة ورسائل واشنطن لتسيير شؤونهم. 

تحول مفهوم الوطن لدى النخبة الحاكمة إلى مجرد "مغانم حرب" تُقسّم فيها الوزارات والدوائر بناءً على حجم العوائد لا وفق مصلحة البلاد، مستغلين العاطفة الشعبية التي خُدعت لسنوات بشعارات المقاومة، لينتهي المطاف ببلد عاجز عن حماية مجاله الجوي من الطائرات المسيرة.

العراق اليوم يدفع فاتورة تحوله إلى "ساحة انتظار" ضخمة لتصفية حسابات الآخرين؛ فبينما تتفاوض أطراف إقليمية بالبارود فوق أرضه، وتضغط التحديات على اقتصاده، يبقى المواطن العراقي وحده من يسدد الثمن من قوته؛ دولار يصعد، استثمارات تهرب، ووظائف تختفي، لتتحول السماء إلى "طريق حرير" لسياسات الحروب بدلاً من اقتصاد التنمية.

في المحصلة، إن الفراغ الذي يظهر في خارطة الطيران ليس مجرد فراغ جوي مؤقت، بل هو انعكاس دقيق لفراغ "هيبة الدولة" وبوصلتها السياسية.