آخر الأخبار


حتى محافظ العصائـ ب عاجز أمامهم

  • A+
  • A-

 الديرة - الرمادي


حين قدّم علي تركي استقالته من منصب محافظ بابل، لم يكن الأمر مجرد خلاف على مشروع، بل كان لحظة انكشاف عميقة. الرجل الذي جاء من رحم كتلة صادقون المرتبطة بعصائب أهل الحق، وجد نفسه وجهاً لوجه أمام جماعات مسلحة خارجة عن إطار الدولة، من أجل مشروع يراد تنفيذه. المشكلة هنا ليست في تفاصيل المشروع، بل في طبيعة التحول الذي يمر به أي شخص حين ينتقل من موقع المطالب إلى موقع المسؤول.

هناك فرق جوهري بين منطقين. منطق الجماعة، أياً كانت، يقوم على تعظيم مصلحة الفئة وحمايتها ولو تعارض ذلك مع مصلحة الكل. أما منطق الدولة فيقوم نظرياً على تعظيم المصلحة العامة، ولو تعارضت مع مصلحة الفئة التي تنتمي إليها. علي تركي وهو النائب السابق الذي تشبع بمنطق الجماعة، اكتشف أن كرسي المحافظ مختلف تماماً عن كرسي النائب. النائب يمثل كتلة، أما المحافظ فيمثل محافظة بأكملها، بكل سكانها وتناقضاتها.

اللحظة الفارقة التي عاشها المحافظ المستقيل هي لحظة إدراك أن الإدارة الوظيفية للدولة لا تحتمل ازدواجية الولاء. يمكنك أن تكون جزءاً من جماعة، وأن تكون مقتنعاً بصحة مبادئها وميولها، لكنك حين تجلس على كرسي المسؤولية العامة، ستجد نفسك مضطراً للعمل ضد ما كنت تراه صواباً بالأمس. ليس لأنك غيّرت قناعاتك، بل لأن المنطق اختلف. من يريد بناء جسر أو مستشفى أو شبكة طرق، سيواجه حتماً من يرى في هذا المشروع تهديداً لنفوذه أو مصلحته الخاصة. وفي بلد ينتشر فيه السلاح خارج نطاق الدولة، تكون هذه المواجهة محفوفة بالمخاطر.

ما حدث في بابل هو نموذج مصغر لمعضلة مزمنة: كيف تبني دولة بمؤسساتها وقوانينها، وفي الوقت نفسه تحتفظ بولاءات موازية للجماعات المسلحة؟ التجربة تقول إن أحدهما سيطغى على الآخر في النهاية. علي تركي اختار الانسحاب حين أدرك استحالة التوفيق بينهما. ربما يكون هذا الاعتراف هو الخطوة الأولى نحو فهم أعمق لطبيعة المأزق الذي تعيشه الدولة في العراق، حيث لا يزال السلاح خارج الدولة قادراً على فرض إرادته، ليس فقط على الأرض، بل على كرسي المحافظ أيضاً.