الديرة - الرمادي
كان لي صديق على "فيسبوك" من الأنبار. لم أره ولم يرني، لكنني عرفته جيداً يوم سقطت الرمادي بيد تنظيم داعش. يومها كان يعمل في صفوف "الصحوة"، يحمل سلاحه دفاعاً عن مدينته، وينشر يومياته التي كنت أتابعها يوماً بعد يوم.
كان يكتب كيف يُنظف الشارع بعد انفجار سيارة مفخخة، وكيف بدأت امرأة تخبز على حطب الأنقاض. وحتى حين كان يمزح، كانت مزحته مشبعة بالحزن؛ إذ يقول إنهم وصلوا إلى مرحلة يبيعون فيها مقتنياتهم خلسة، فقط ليشتروا بعض المقرمشات والحلويات للأطفال. كانت متابعته أقرب إلى مشاهدة نجم سينمائي، لكن دون سيناريو؛ بل هي حياة تُعرض كما هي، بحدّها الخام وقسوتها.
كان يفرح حين يعود الجيران بعد النزوح، ويحزن حين يفقد أصدقاءه في الحرب. صورتُه الشخصية كانت لوجهه مع فِلتر يحمل علم العراق، وغلاف حسابه صورة لمنطقة "الملعب" في الرمادي، المكان الذي عاش فيه طفولته.
هذا الرجل، بعد أن وقفت الأنبار على قدميها مجدداً، عمل عامل بناء، ثم في محل للهواتف المحمولة، ثم تزوج، وافتتح مشروعاً صغيراً ساعده فيه المحافظ عمر الدبوس. غير أن المحافظ لم يكن يعلم أن هذا الشخص كان يوماً مقاتلاً يدافع عن الأنبار؛ فلم يكن ذلك يُقال، ولا يُستعرض.
ففي الأنبار، لا تُروى الشجاعة بوصفها بطولة شخصية، بل بوصفها سلوكاً طبيعياً متجذراً. لذلك لا يتحدثون كثيراً عما جرى لهم، بل يتحدثون عمّا يمكن أن تستمر به الحياة. فلا فرق كبير في النهاية، بين أن تكون مقاتلاً يحمل السلاح دفاعاً عن مدينته، أو عامل بناء يحمل الطابوق ليعيد رفع جدرانها من جديد.